محمد الغزالي
13
فقه السيرة ( الغزالي )
ولست بدعا في تلك الخطة التي اخترتها ؛ فإن أغلب العلماء جرى على مثلها في مواجهة المرويات الضعيفة والصحيحة على سواء . وقرّروا أن الحديث الضعيف يعمل به ما دام ملتئما مع الأصول العامة ، والقواعد الجامعة . وهذه الأصول والقواعد مستفادة - بداهة - من الكتاب والسنّة . وعلى ضوء هذا النظر المنصف حكيت استشارة رسول اللّه عليه الصلاة والسلام للحباب في موقعة بدر - وإن وهّن المحدثون سندها - لأنها تدور في نطاق الفضائل التي أمر بها اللّه ورسوله ، وليس في سوقها ما يحذر قط . ذاك بالنسبة إلى الأحاديث الضعاف . أما الصّحاح فإن في تفاوت دلالتها مجالا رحبا للترجيح والرد ، كما يعلم الأستاذ المحدّث . وما من إمام فقيه إلا وردّ بعض ما صحّ ، إيثارا لما ظهر أنه أصحّ . ومعاذ اللّه أن نشغب على السنّة ، فهي الأصل الثاني للإسلام يقينا . بيد أنني إذا تتبّعت السنن ، فعرفت - أنها في جملتها - تتفق مع القران الكريم ؛ في أنه لا حرب إلا بعد دعوة وإعذار ، وتعريف مشرق ، لا تبقى معه شائبة غموض ، فكيف أقبل ما يوهم غير هذا ؟ ! . اللّه جلّ شأنه يأمر نبيّه في قرانه الكريم : قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 108 ) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ ( 109 ) [ الأنبياء ] . بعد هذا الإعلام الذي يستوي في الإحاطة به الداعون والمدعوّون ، وبعد أن سار النبيّ عليه الصلاة والسلام في مغازيه ، وسار الخلفاء في معاركهم على هذا النحو من توضيح للدعوة ، وإتاحة الفرصة للناس كي يقبلوا أو يرفضوا . بعد هذا لا أرى أن يلزمني أحد بقبول ما رواه الشيخان عن عبد اللّه بن عون ، قال : كتبت إلى نافع رحمه اللّه أسأله عن الدعاء قبل القتال ، فكتب إليّ : إنما كان ذلك في أول الإسلام ! وقد أغار عليه الصلاة والسلام على بني المصطلق وهم غارّون ، فقتل مقاتلتهم ، وسبى ذراريهم ، وأصاب يومئذ جويرية . قال : حدّثني به عبد اللّه بن عمر ، وكان في ذلك الجيش .