محمد الغزالي
109
فقه السيرة ( الغزالي )
رسالته ، ويزنوا - على مهل - ما لديهم ، وما جاء به ، لما عابهم على هذا عاقل . ولكنّهم نفروا من الإسلام نفور المذنب من ساحة القضاء بعد ما انكشفت جريمته ، وثبتت إدانته . وقد حزن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لهذا الإعراض المقرون بالتكذيب والتحدّي ، ومن حقّ كل رجل صدوق نبيل أن يأسف ويألم إذا ألفي نفسه مكذبا مهجورا . إلا أنّ اللّه واساه ، فأبان له بواطن أولئك المكاذبين المتألّبين : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 33 ) [ الأنعام ] . إنّ المعتوه إذا اعترض طريقك ، ووقع في عرضك بلسان حادّ ، سمعت من يقول لك : هذا لا يقصد العدوان عليك ، ولكنه يستجيب لنوازع الجنون في دمه ، وكذلك أولئك المشركون ، إن فظاظتهم وإنكارهم تمشّ مع دواعي الجحود في طباعهم ، قبل أن تكون انتقاصا للرجل الذي يحدّثهم ، أو طعنا في خلقه : فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [ الأنعام : 33 ] . ومن ثمّ فعلى محمد صلى اللّه عليه وسلم أن يمضي في سبيل البلاغ ، وأن يجتاز ما يلقى أمامه من صعاب وعقاب ، وعلى المؤمنين برسالته أن يثبتوا ، وليس ثباتهم لمصلحتهم الخاصة فقط ، ولا حق الإيمان عليهم وكفى ، بل هو لمصلحة الأجيال المقبلة . إن البنيان الشامخ الذّرى لا يرتكز على سطح الأرض ، وإنما يرتكز على دعائم غائرة في الثرى ، وهي التي تحمل ثقله وترفع عمده ، وقد كان أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم الأول - بصلابة يقينهم ، وروعة استمساكهم - دعائم رسالته ، وأصول امتدادها من بعد ، في المشارق والمغارب .