محمد الغزالي
110
فقه السيرة ( الغزالي )
الاضطهاد قرر المشركون ألا يألوا جهدا في محاربة الإسلام ، وإيذاء الدّاخلين فيه ، والتعرّض لهم بألوان النّكال والإيلام ، ومنذ جهر الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالدعوة إلى اللّه ، وعالن قومه بضلال ما ورثوه عن ابائهم ؛ انفجرت مكة بمشاعر الغضب ، وظلّت عشرة أعوام تعدّ المسلمين عصاة ثائرين ، فزلزلت الأرض من تحت أقدامهم ، واستباحت في الحرم الامن دماءهم وأموالهم وأعراضهم ، وجعلت مقامهم تحمّلا للضيم ، وتوقّعا للويل . صاحبت هذه السخائم المشتعلة حرب من السخرية والتحقير ؛ قصد بها تخذيل المسلمين ، وتوهين قواهم المعنوية ؛ فرمي النبي صلى اللّه عليه وسلم وصحابته بتهم هازلة ، وشتائم سفيهة ، وتألّفت جماعة للاستهزاء بالإسلام ورجاله على نحو ما تفعل الصحافة المعارضة عندما تنشر عن الخصوم نكتا لاذعة ، وصورا مضحكة ، للحطّ من مكانتهم لدى الجماهير . وبهذين اللونين من العداوة وقع المسلمون بين شقّي الرحى . فرسولهم ينادى بالجنون : وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ( 6 ) [ الحجر ] . ويوصم بالسحر والكذب : وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ ( 4 ) [ ص ] . ويشيّع ويستقبل بنظرات ملتهمة ناقمة ، وعواطف منفعلة هائجة : وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ( 51 ) [ القلم ] . وليس حظّ سائر المسلمين بأفضل من هذه المعاملة ، فهم - في غدوّهم ورواحهم - محلّ التندّر واللّمز : إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ( 29 ) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ ( 30 )