محمد الغزالي

108

فقه السيرة ( الغزالي )

لعالم فقد رشده ، وأن يمحو بها الأوهام من حياة مرّغتها الأوهام في الرغام ، ما تجدي وقفة جهول أو غضبة مغرور في منع هذه الرسالة الكبيرة من المضي إلى هدفها البعيد ؟ ! . إن الطحالب العائمة لا توقف السفن الماخرة ، ولئن نقم الجاهليون على المسلمين مروقهم من بين قومهم بهذه الدعوة - حتى ليسمّونهم الصّباة - فإنّ المسلمين لأشدّ نقمة عليهم ؛ أن سفّهوا أنفسهم ، وحقّروا عقولهم ، وتشبثوا بخرافات ما أنزل اللّه بها من سلطان . إن الدعوة التي بدأ بها محمد صلى اللّه عليه وسلم من بطن مكة لم تكن لبناء وطن صغير ، بل كانت إنشاء جديدا لأجيال وأمم ، تظل تتوراث الحق ، وتندفع به في رحاب الأرض ، إلى أن تنتهي من فوق ظهر الأرض قصة الحياة والأحياء . فماذا تصنع خصومة فرد أو قبيلة لرسالة هذا شأنها في حاضرها ومستقبلها ؟ ! ومن أولئك الخصوم ؟ ! : * . . متعصبون ، تحجّرت عقولهم ، تزيّن لهم سطوتهم البطش بمن يخالفهم : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا . . . [ الحج : 72 ] . * . . أم مترفون ، سرّتهم ثروتهم ، يحبون الباطل ؛ لأنه على أرائك وثيرة ، ويكرهون الحقّ ، لأنه عاطل عن الحلي والمتاع : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ( 73 ) [ مريم ] . * . . أم متعنّتون ، يحسبون هداية الرحمن عبث صبية ، أو أزياء غانية ، فهم يقولون : دع هذا وهات هذا : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ . . . [ يونس : 15 ] . * . . أم مهرّجون ، يتواصون بينهم بافتعال ضجّة عالية ، وصياح منكر عندما تقرأ الآيات ، حتى لا تسمع فتفهم فتترك أثرا في عقل نقي وقلب طيب : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ( 26 ) [ فصلت ] . لو أنّ أهل مكة تردّدوا في تصديق محمد صلى اللّه عليه وسلم حتى يبحثوا أمره ، ويمحّصوا