محمد سعيد رمضان البوطي

91

فقه السيرة ( البوطي )

واجتماعية مع بني قومه ، فلم تترك سلعة تتسلل إلى أيديهم ، ولم يترك طعام يدخل إلى بيوتهم ، حتى راحوا يأكلون ورق الشجر ، وهم على ذلك صابرون ، محدقون برسولهم عليه الصلاة والسلام ، أفهكذا يصنع من تعتلج وراء صدره الثورة من أجل لقمة العيش ؟ ! . . وعندما هاجر النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ، وهاجر إليها من قبله ومن بعده أصحابه ، تركوا المال والأرض والممتلكات المختلفة واستقبلوا بوجوهم شطر المدينة المنورة ، وقد تجردوا عن كل ما يتعلق به الطامعون في المال ، لا يبتغون عن إيمانهم باللّه بديلا ، ولا يقيمون وزنا لدنيا فاتتهم ولملك أدبر عنهم ، أفهذا هو الدليل على أنها ثورة يسارية قامت من أجل لقمة طعام ؟ ! . . قد يكون دليل هؤلاء الناس على ما يتصورون . ملاحظة الأمرين التاليين : الأول : أن الجماعة الأولى من أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم في مكة ، كانت على الأغلب من الفقراء والموالي والمضطهدين ، وهو يدل على أنهم ينفّسون باتباعهم محمدا صلى اللّه عليه وسلم عن شيء من كربهم ، وإنهم كانوا يتأملون مستقبلا اقتصاديا أفضل لأنفسهم في ظل الدين الجديد . الثاني : أن هؤلاء الأصحاب ، ما لبثوا بعد حين أن فتحت عليهم آفاق الدنيا ، وأقبل إليهم الثراء والمال ، وهو دليل على أن خطة الرسول صلى اللّه عليه وسلم كانت ترمي إلى تحقيق هذه الغاية . وأنت إذا تأملت في استدلالهم على ما يتصورونه ، بهاتين الملاحظتين ، أدركت كم هو نصيب الخيال والوهم من عقولهم ومنهج تفكيرهم . أمّا أن الجماعة الأولى من أصحابه صلى اللّه عليه وسلم كانت على الأغلب من الفقراء والموالي ، فنعم ، ولكن ليس بين هذه الحقيقة وذلك الوهم أي علاقة أو نسب ، إن شريعة تقضي بإرساء ميزان العدالة بين الناس ، وبالضرب على يد كل ظالم وطاغية ومستكبر ، من المسلّم به أن يعرض عنها بل أن يحاربها أولئك الذين استمرئوا حياة البغي والظلم ، لأنها تحملهم المغارم أكثر من أن تقدم إليهم المغانم ، كما أن من المسلّم به أن يرحب بها كل مستضعف مظلوم ، بل كل إنسان ليس له في تجارة البغي والاستغلال نصيب ، لأنها تقدم لهم المغانم أكثر من أن تحملهم المغارم ، أو لأنهم - على أقل تقدير - ليست لهم مع الناس مشكلات تجعلهم يستثقلون تباعتها وتكاليفها .