محمد سعيد رمضان البوطي

88

فقه السيرة ( البوطي )

ورواية موسى بن عقبة تدل على أن ذلك كان قبل أمر الرسول أصحابه بالهجرة إلى الحبشة ، وإنما أمرهم بها أثناء هذا الحصار ، أما رواية ابن إسحاق فتدل على أن كتابة الصحيفة كانت بعد هجرة أصحابه صلى اللّه عليه وسلم إلى الحبشة وبعد إسلام عمر . وحوصر بنو هاشم وبنو المطلب ومن معهم من المسلمين ، ومعهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، في شعب بني المطلب ، وإنما مكة شعاب متفرقة ، واجتمع فيه من بني هاشم وبني المطلب المسلمون والكافرون ، أما المسلمون فتدينا وأما الكافرون فحمية ، إلا ما كان من أبي لهب ، عبد العزى بن عبد المطلب ، فإنه خرج إلى قريش ، فظاهر النبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه . فجهد النبي صلى اللّه عليه وسلم والمسلمون جهدا شديدا في هذه الأعوام الثلاثة واشتد عليهم البلاء ، وفي الصحيح أنهم جهدوا حتى كانوا يأكلون الخبط وورق الشجر ، وذكر السهيلي أنهم كانوا إذا قدمت العير مكة ، يأتي أحد أصحاب رسول اللّه إلى السوق ليشتري شيئا من الطعام يقتاته لأهله ، فيقوم أبو لهب فيقول : يا معشر التجار غالوا على أصحاب محمد حتى لا يدركوا شيئا معكم ، فيزيدون عليهم في السلعة قيمتها أضعافا ، حتى يرجع إلى أطفاله وهم يتضاغون من الجوع وليس في يده شيء يعللهم به . فلما كان على رأس ثلاث سنين من بدء هذا الحصار ، تلاوم قوم من بني قصي ، فأجمعوا أمرهم على نقض ما تعاهدوا عليه ، وأرسل اللّه على صحيفتهم التي كتب فيها نص المعاهدة الأرضة ، فأتت على معظم ما فيها من ميثاق وعهد ، ولم يسلم من ذلك إلا الكلمات التي فيها ذكر اللّه عز وجل . وقد أخبر بذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عمه أبا طالب ، فقال له أبو طالب : أربّك أخبرك بذلك ؟ قال : « نعم » ، فمضى في عصابة من قومه إلى قريش ، فطلب منهم أن يؤتوه بالصحيفة موهما إياهم أنه نازل عند شروطهم فجاؤوا بها وهي مطوية ، فقال أبو طالب : إن ابن أخي قد أخبرني ، ولم يكذبني قط ، أن اللّه تعالى قد سلط على صحيفتكم التي كتبتم الأرضة فأتت على كل ما كان فيها من جور وقطيعة رحم ، فإن كان الحديث كما يقول فأفيقوا وارجعوا عن سوء رأيكم ، فو اللّه لا نسلمه حتى نموت من عند آخرنا ، وإن كان الذي يقول باطلا دفعنا إليكم صاحبنا ففعلتم به ما تشاؤون ، فقالوا : قد رضينا بالذي تقول ، ففتحوا الصحيفة فوجدوا الأمر كما أخبر الصادق المصدوق صلى اللّه عليه وسلم ، فقالوا : هذا سحر ابن أخيك ! . . وزادهم ذلك بغيا وعدوانا . ثم إن خمسة من رؤساء المشركين من قريش ، مشوا في نقض الصحيفة ، وإنهاء