محمد سعيد رمضان البوطي
89
فقه السيرة ( البوطي )
هذا الحصار ، وهم : هشام بن عمرو بن الحارث ، وزهير بن أمية ، والمطعم بن عدي ، وأبو البختري بن هشام ، وزمعة بن الأسود . وكان أول من سعى إلى نقضها بصريح الدعوة زهير بن أمية ، أقبل على الناس عند الكعبة فقال : يا أهل مكة ، أنأكل الطعام ، ونلبس الثياب وبنو هاشم والمطلب هلكى لا يباعون ولا يبتاع منهم ؟ . . واللّه لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة . ثم قال بقية الخمسة نحوا من هذا الكلام ، ثم قام المطعم بن عدي إلى الصحيفة فمزقها ، ثم انطلق هؤلاء الخمسة ، ومعهم جماعة إلى بني هاشم وبني المطلب ومن معهم من المسلمين فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم . العبر والعظات : هذه القطيعة الظالمة ، تصور قمة الشدة التي لقيها النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه طوال ثلاثة أعوام . وقد رأيت أن المشركين من بني هاشم وبني المطلب ، شاركوا المسلمين في تحملها ، ولم يرضوا أن يتخلوا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وليس لنا عن حديث من هؤلاء المشركين وسبب موقفهم هذا ، فقد كان الذي دفعهم إليه حمية القرابة والرحم ، وإباء الذل الذي كان يتلبس بهم لو أنهم خلوا بين محمد صلى اللّه عليه وسلم ومشركي قريش من غير بني هاشم وبني المطلب يقتلونه ويفتكون به ، بقطع النظر عن العقيدة والدين ، فقد آثروا إذا أن يجمعوا بين رغبتين في صدورهم : الأولى : الثبات على الشرك والاستكبار على الحق الذي جاءهم به محمد صلى اللّه عليه وسلم . الثانية : الانصياع للحمية التي تدعو إلى حماية القريب من بطشة الغريب وظلمه ، بحق كان أو بباطل . أما المسلمون ، وعلى رأسهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فإنما صبّرهم على ذلك الانصياع لأمر اللّه ، وإيثار الآخرة على الدنيا ، وهو أن الدنيا عندهم في جنب مرضاة اللّه عز وجل ، وهذا ما يهمنا أن نبحث فيه . قد تسمع بعض المبطلين من محترفي الغزو الفكري ، يقولون : إن عصبية بني هاشم وبني المطلب ، كانت تكمن خلف دعوة محمد صلى اللّه عليه وسلم وكانت تحوطها بالرعاية والحفظ ! . . والدليل على ذلك موقفهم السلبي من مشركي قريش في مقاطعتهم للمسلمين ، وإنها لمغالطة مكشوفة ، لا يتماسك عليها حجاب أي منطق ولو كان صوريا . ذلك لأن من