محمد سعيد رمضان البوطي

87

فقه السيرة ( البوطي )

الدلالة الثالثة : ونستفيدها من موقف الرسول عليه الصلاة والسلام من تلك المطالب التي طلبتها قريش منه صلى اللّه عليه وسلم شرطا لاتباعها له ، وهو موقف أيده اللّه فيه ، ففيه - كما ذكر عامة المفسرين - نزل قوله تعالى : وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ( 90 ) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً ( 91 ) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا ( 92 ) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا ( 93 ) [ الإسراء : 90 - 93 ] . وليس السبب في عدم استجابة اللّه لهم ذلك ، ما قد يظنه البعض من أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم ما أوتي من المعجزات إلا معجزة القرآن ، ولذلك لم تستجب لهم مطالبهم ، وإنما السبب أن اللّه عز وجل علم أنهم إنما يطالبون بذلك كفرا وعنادا وإمعانا في الاستهزاء بالنبي صلى اللّه عليه وسلم ، كما هو واضح في أسلوب طلبهم ونوع المطالب التي عرضوها ، ولو علم اللّه عز وجل فيهم صدق الطلب وحسن النية وأنهم مقبلون في ذلك على محاولة التأكد من صدق النبي عليه الصلاة والسلام ، لحقق لهم ذلك ، ولكن أمر قريش في ذلك مطابق لما وصفه اللّه تعالى في آية أخرى وهي قوله : وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ( 14 ) لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ( 15 ) [ الحجر : 14 و 15 ] ، وإذا علمت ذلك ، أدركت أنه لا تنافي بين هذا وما ثبت من إكرام اللّه لنبيه عليه الصلاة والسلام بالمعجزات الكثيرة المختلفة مما سنفصل القول فيه قريبا إن شاء اللّه . الحصار الاقتصادي ورد بأسانيد مختلفة عن موسى بن عقبة ، وعن ابن إسحاق ، وعن غيرهما ، أن كفار قريش أجمعوا أمرهم على قتل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكلموا في ذلك بني هاشم وبني المطلب ، ولكنهم أبوا تسليمه صلى اللّه عليه وسلم إليهم ، فلما عجزت قريش عن قتله صلى اللّه عليه وسلم أجمعوا على منابذته ومنابذة من معه من المسلمين ومن يحميه من بني هاشم وبني المطلب ، فكتبوا بذلك كتابا تعاقدوا فيه على ألا يناكحوهم ، ولا يبايعوهم ، ولا يدعوا سببا من أسباب الرزق يصل إليهم ، ولا يقبلوا منهم صلحا ولا تأخذهم بهم رأفة ، حتى يسلم بنو المطلب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إليهم للقتل ، وعلقوا الكتاب في جوف الكعبة . والتزم كفار قريش بهذا الكتاب ثلاث سنوات ، بدآ من المحرم سنة سبع من البعثة إلى السنة العاشرة منها ، وقيل : بل استمر ذلك سنتين فقط .