محمد سعيد رمضان البوطي

86

فقه السيرة ( البوطي )

إن فلسفة هذا الدين تقوم على عماد الشرف والصدق في كل من الوسيلة والغاية . فكما أن الغاية لا يقوّمها إلا الصدق والشرف وكلمة الحق ، فكذلك الوسيلة لا ينبغي أن يخطّها إلا مبدأ الصدق والشرف وكلمة الحق . ومن هنا يحتاج أرباب الدعوة الإسلامية في معظم حالاتهم وظروفهم إلى التضحية والجهاد ، لأن السبيل التي يسلكونها لا تسمح لهم بالتعرج كثيرا ذات اليمين وذات الشمال . ومن الخطأ أن تحسب مبدأ الحكمة في الدعوة إنما شرع من أجل تسهيل العمل الداعي أو من أجل تفادي المآسي والأتعاب ، بل السر في مشروعية الحكمة في الدعوة إنما هو سلوك أقرب الوسائل إلى عقول الناس وأفكارهم ، ومعنى هذا : أنه إذا اختلفت الأحوال وقامت عثرات الصد والعناد دون سبيل الدعوة ، فإن الحكمة حينئذ إنما هي إعداد العدة للجهاد والتضحية بالنفس والمال ، إن الحكمة إنما هي أن تضع الشيء في مكانه . وهذا هو الفرق بين الحكمة والمخادعة ، وبين الحكمة والمسالمة . وأنت خبير أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما استبشر بما رآه مرة من دلائل إقبال بعض زعماء قريش على فهم الدين ، انصرف إليهم بكليته مبتهجا يكلمهم ويشرح لهم ما يستفسرون عنه من حقائق الإسلام ، حتى دعاه ذلك الاستبشار والطمع في هدايتهم إلى أن يعرض عن الصحابي الضرير عبد اللّه ابن أم مكتوم حينما مر بهم فوقف إلى جانبهم يستمع ، وأخذ هو الآخر يسأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكان ذلك منه عليه الصلاة والسلام حرصا على الفرصة أن لا تفوته وأملا في أن يجيب عبد اللّه ابن أم مكتوم في أي وقت آخر . فعاتبه اللّه على ذلك في سورة : عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى [ عبس : 1 و 2 ] ، وأنكر عليه اجتهاده هذا ، وإن كانت غايته مشروعة ونبيلة ، ذلك لأن الوسيلة قد انطوت على كسر خاطر مسلم أو ما يدل على الإعراض عنه وعدم الالتفات إليه من أجل اجتذاب قلوب المشركين ، فهي ليست بمشروعة ولا مقبولة . والخلاصة : أنه ليس لأحد من الناس أن يغير شيئا من أحكام الإسلام ومبادئه ، أو يتجاوز شيئا من حدوده أو يستهين بها ، باسم اتباع الحكمة في النصيحة والدعوة ، لأن الحكمة لا تعتبر حكمة إلا إذا كانت مقيدة ومنضبطة ضمن حدود الشريعة ومبادئها وأخلاقها .