محمد سعيد رمضان البوطي

80

فقه السيرة ( البوطي )

تعالى بين المسلم والغاية التي أمره بالسير إليها ، أي أن المسلمين يقربون من الغاية التي كلفهم اللّه بالوصول إليها ، بمقدار ما يجدونه في طريقهم إلى ذلك من العذاب ، وبمقدار ما يتساقط منهم من الشهداء . ولذا فإنه لا ينبغي للمسلم أن يتوهم اليأس ، إذا ما عانى شيئا من المشقة أو المحنة ، بل العكس هو الأمر المنسجم مع طبيعة هذا الدين ، أي إن على المسلمين أن يستبشروا بالنصر كلما رأوا أنهم يتحملون مزيدا من الضر والنكبات سعيا إلى تحقيق أمر ربهم عز وجل . وتأمل فإنك ستجد برهان هذا جليا في قوله تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ( 214 ) [ البقرة : 214 ] . فقد كان جواب أولئك الذين لم يفهموا طبيعة العمل الإسلامي ، وتوهموا أن هذا الذي يرونه من الأذى والعذاب إنما هو عنوان ودليل على ابتعادهم عن النصر ، كان جواب هؤلاء من اللّه تعالى : أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [ البقرة : 214 ] . وتجد برهان هذا جليا فيما رويناه من قصة خباب بن الأرتّ رضي اللّه عنه ، حينما جاء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد غالبه العذاب الذي اكتوى به معظم جسده ، يشكو إليه صلى اللّه عليه وسلم ذلك ويسأله الدعاء للمسلمين بالنصر ، فقد كان جواب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بهذا المعنى . إن كنت تتعجب من العذاب والأذى وتستغرب أن ترى ذلك في سبيل اللّه عز وجل ، فاعلم أن هذا هو السبيل . . وتلك هي سنة اللّه في جميع عباده الذين آمنوا به : مشّط الكثير منهم في سبيل دينه بأمشاط الحديد ما بين المفرق والقدم فما صدهم ذلك عن شيء من دين اللّه . وإن كنت ترى في العذاب دلائل اليأس والقنوط من النصر ، فأنت متوهم ، بل الحق هو أن تجد في العذاب والألم سيرا في الطريق ودنوا من النصر ، وسينصرن اللّه هذا الدين حتى يسير الرجل من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا اللّه وفي رواية بزيادة : والذئب على غنمه . وهذا المعنى نفسه هو السر في أن النبيّ صلى اللّه عليه وآله وصحبه وسلم بشّر أصحابه بأن اللّه سيفتح لهم بلاد الفرس والروم ، ومع ذلك فلم تفتح عليهم هذه البلاد إلا بعد وفاة الرسول صلى اللّه عليه وسلم بزمن غير يسير ولقد كان من مقتضى فضل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند ربه