محمد سعيد رمضان البوطي
81
فقه السيرة ( البوطي )
ومدى محبة اللّه عز وجل له أن تفتح كل تلك البلاد في حياته وبقيادته وتحت إشرافه ، بدلا من أن يسجل التاريخ فتحها بقيادة أحد أتباعه . لقد كان هذا قريبا من مقتضى محبة اللّه لرسوله ، لولا أن النصر مرتبط بالقانون الذي ذكرناه . لم يكن المسلمون في حياة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قد دفعوا من أجل انتصارهم في بلاد الشام والعراق ، أقساط الثمن كله ، ولا بد قبل النصر من دفع كامل الثمن ، لا بد من ذلك ولو كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم موجودا بينهم ، وليست المسألة أن ترتبط الفتوحات باسم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وتتم بقيادته وتحت إشرافه من أجل عظيم محبة اللّه تعالى له ، ولكن المسألة هي أن يبرهن المسلمون الذين بايعوا اللّه ورسوله على صدقهم في هذه المبايعة ، وأن يصدقوا فيما عاهدوا اللّه عليه يوم أن وقعوا بالقبول والرضا تحت قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ [ التوبة : 111 ] . سياسة المفاوضات جاء في ما يرويه ابن هشام عن ابن إسحاق : أن عتبة بن ربيعة - وكان سيدا ذا بصيرة ورأي في قومه - قال في نادي قريش : يا معشر قريش ، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه ، وأعرض عليه أمورا لعلّه يقبل بعضها فنعطيه أيّها شاء ويكف عنا ؟ فقالوا : بلى يا أبا الوليد : قم إليه فكلّمه ، فجاء عتبة حتى جلس إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا ابن أخي ، إنك منا حيث قد علمت من الشرف في العشيرة والمكانة في النسب ، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرّقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم . . فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « قل يا أبا الوليد ؟ أسمع » . قال : يا ابن أخي ، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك ، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه . فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أفرغت يا أبا الوليد ؟ » قال : نعم . . قال : « فاسمع مني » ، ثم قال :