محمد سعيد رمضان البوطي

7

فقه السيرة ( البوطي )

غير أن جميع ما كتبه هؤلاء قد باد وتلف مع الزمن ، فلم يصل إلينا منه شيء . ولم يبق منه إلا بقايا متناثرة روى بعضها الطبري . ويقال : إن بعضها الآخر - وهو جزء مما كتبه وهب بن منبه - محفوظ في مدينة هايدلبرج بألمانية . ولكن جاء في الطبقة التي تلي هؤلاء من تلقف كل ما كتبوه . فأثبتوا جلّه في مدوناتهم التي وصل إلينا معظمها بحمد اللّه وتوفيقه . ولقد كان في مقدمة هذه الطبقة محمد بن إسحاق المتوفى عام 152 . وقد اتفق الباحثون على أن ما كتبه محمد بن إسحاق يعدّ من أوثق ما كتب في السيرة النبوية في ذلك العهد « 1 » ولئن لم يصل إلينا كتابه « المغازي » بذاته ، إلا أن أبا محمد عبد الملك المعروف بابن هشام قد جاء من بعده ، فروى لنا كتابه هذا مهذبا منقحا ، ولم يكن قد مضى على تأليف ابن إسحاق له أكثر من خمسين سنة . يقول ابن خلكان : ( وابن هشام هذا ، هو الذي جمع سيرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، من المغازي والسير لابن إسحاق ، وهذبها ، ولخصها ، وهي السيرة الموجودة بأيدي الناس والمعروفة بسيرة ابن هشام ) « 2 » . وعلى كل ، فإن مصادر السيرة النبوية التي اعتمدها سائر الكتاب على اختلاف طبقاتهم محصورة في المصادر التالية : أولا : كتاب اللّه تعالى ، فهو المعتمد الأول في معرفة الملامح العامة لحياة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وفي الاطلاع على المراحل الإجمالية لسيرته الشريفة ، بقطع النظر عن أسلوب القرآن في بيان ذلك . ثانيا : كتب السنة النبوية ، وهي تلك التي كتبها أئمة الحديث المعروفون بصدقهم وأمانتهم ، كالكتب الستة وموطأ الإمام مالك ومسند الإمام أحمد وغيره ، وإن كانت عناية هذه الكتب الأولى إنما تنصرف إلى أقوال رسول اللّه وأفعاله من حيث إنها مصدر تشريع ، لا من حيث هي تاريخ يدوّن . ولذلك رتبت أحاديث كثير من هذه الكتب على الأبواب الفقهية ، ورتب بعضها على أسماء الصحابة الذين رووا هذه الأحاديث ، ولم يراع فيها التتابع الزمني للأحداث . ثالثا : الرواة الذين اهتموا بسيرة النبي صلى اللّه عليه وسلم وحياته عموما ، وقد كان في الصحابة

--> ( 1 ) انظر ما كتبه ابن سيد الناس في مقدمة كتابه « عيون الأثر » عن ابن إسحاق وترجمته . ( 2 ) وفيات الأعيان : 1 / 290 الطبعة الميمنية .