محمد سعيد رمضان البوطي

8

فقه السيرة ( البوطي )

الكثير ممن اهتم بذلك ، بل ما من صحابي كان مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مشهد من مشاهد سيرته إلا ورواه لسائر الصحابة ولمن بعده أكثر من مرة . ولكن دون أن يهتم واحد منهم في بادىء الأمر بجمعها وتدوينها . وأحب أن ألفت النظر هنا إلى الفرق بين عموم ما يسمى كتابة وتقييدا ، وخصوص ما يسمى تأليفا أو تدوينا . أما الأول : فقد كان موجودا بالنسبة للسنة في حياة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كما ذكرنا آنفا ، وأما الثاني : ويراد به الجمع والتنسيق بين دفتين ، فقد ظهر فيما بعد ، عندما ظهرت الحاجة إلى ذلك . المنهج العلمي في رواية السيرة النبوية : من المعلوم أن كتابة السيرة النبوية ، تدخل في عموم ما يسمى تأريخا ، وإن كانت السيرة النبوية ، - كما أوضحنا - منطلقا للتأريخ وحافزا على رصد الوقائع والأحداث التي خلت قبلها والتي جاءت متسلسلة على أعقابها . ولكن على أيّ منهج اعتمد كتّاب السيرة في تاريخها وتدوينها ؟ لقد كان منهجهم المعتمد في ذلك اتباع ما يسمى اليوم بالمذهب الموضوعي في كتابة التاريخ ، طبق قواعد علمية سنشير إليها . ومعنى هذا : أن كتّاب السيرة النبوية وعلماءها ، لم تكن وظيفتهم بصدد أحداث السيرة ، إلا تثبيت ما هو ثابت منها ، بمقياس علمي يتمثل في قواعد مصطلح الحديث المتعلقة بكل من السند والمتن ، وفي قواعد الجرح والتعديل المتعلقة بالرواة وتراجمهم وأحوالهم . فإذا انتهت بهم هذه القواعد العلمية إلى أخبار ووقائع ، وقفوا عندها ، ودونوها ، دون أن يقحموا تصوراتهم الفكرية أو انطباعاتهم النفسية أو مألوفاتهم البيئية إلى شيء من تلك الوقائع بأي تلاعب أو تحوير . لقد كانوا يرون أن الحادثة التاريخية التي يتم الوصول إلى معرفتها ضمن نفق من هذه القواعد العلمية التي تتسم بمنتهى الدقة ، حقيقة مقدسة ، يجب أن تجلى أمام الأبصار والبصائر كما هي ، كما كانوا يرون أن من الخيانة التي لا تغفر أن ينصب من التحليلات الشخصية والرغبات النفسية التي هي في الغالب من انعكاسات البيئة ومن ثمار العصبية ، حاكم مسلّط يستبعد منها ما يشاء ويحوّر فيها كما يريد . ضمن هذه هذه الوقاية من القواعد العلمية ، وعلى ذلك الأساس من النظرة الموضوعية للتاريخ : وصلت إلينا سيرة المصطفى صلى اللّه عليه وسلم بدآ من ولادته ونسبه ، إلى طفولته ، فصبوته