محمد سعيد رمضان البوطي
60
فقه السيرة ( البوطي )
لماذا انفصل الوحي عنه بعد ذلك مدة طويلة ، وجزع النبي صلى اللّه عليه وسلم بسبب ذلك جزعا عظيما حتى إنه كان يحاول - كما يروي الإمام البخاري - أن يتردى من شواهق الجبال ؟ . هذه أسئلة طبيعية بالنسبة للشكل الذي ابتدأ به الوحي ، ولدى التفكير في أجوبتها نجدها تنطوي على حكمة باهرة ، ألا وهي أن يجد المفكر الحر فيها الحقيقة الناصعة الواقية عن الوقوع في شرك محترفي الغزو الفكري والتأثر بأخيلتهم المتكلفة الباطلة . لقد فوجىء محمد عليه الصلاة والسلام وهو في غار حراء بجبريل أمامه يراه بعينه ، وهو يقول له اقرأ ، حتى يتبين أن ظاهرة الوحي ليست أمرا ذاتيا داخليا مردّه إلى حديث النفس المجرد ، وإنما هي استقبال وتلقّ لحقيقة خارجية لا علاقة لها بالنفس وداخل الذات . وضم الملك إياه ثم إرساله ثلاث مرات قائلا في كل مرة : اقرأ ، يعتبر تأكيدا لهذا التلقّي الخارجي ومبالغة في نفي ما قد يتصوّر من أن الأمر لا يعدو كونه خيالا داخليا فقط . ولقد داخله الخوف والرعب مما سمع ورأى ، حتى إنه قطع خلوته في الغار وأسرع عائدا إلى البيت يرجف فؤاده ، لكي يتضح لكل مفكر عاقل أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يكن متشوقا للرسالة التي سيدعى إلى حملها وبثها في العالم ، وإن ظاهرة الوحي هذه لم تأت منسجمة أو متممة لشيء مما قد يتصوره أو يخطر في باله ، وإنما طرأت طروآ مثيرا على حياته ، وفوجىء بها دون أي توقع سابق ، ولا شك أن هذا ليس شأن من يتدرج في التأمل والتفكير إلى أن تتكون في نفسه - بطريقة الكشف التدريجي المستمر - عقيدة يؤمن بالدعوة إليها ! . . ثم إن شيئا من حالات الإلهام أو حديث النفس أو الإشراق الروحي أو التأملات العلوية ، لا يستدعي الخوف والرعب وامتقاع اللون ، وليس ثمة أي انسجام بين التدرج في التفكير والتأمل من ناحية ، ومفاجأة الخوف والرعب من ناحية أخرى ، وإلا لا قتضى ذلك أن يعيش عامة المفكرين والمتأملين نهبا لدفعات من الرعب والخوف المفاجئة المتلاحقة . وأنت خبير أن الخوف والرعب ورجفان الجسم وتغير اللون ، كل ذلك من الانفعالات القسرية التي لا سبيل إلى اصطناعها والتمثيل بها ، حتى لو فرضنا إمكان صدور المخادعة والتمثيل منه عليه الصلاة والسلام ، وفرضنا المستحيل من انقلاب طباعه المعروفة قبل البعثة إلى عكس ذلك .