محمد سعيد رمضان البوطي

61

فقه السيرة ( البوطي )

ويتجلى مزيد من صورة المفاجأة المخيفة لديه صلى اللّه عليه وسلم ، في توهمه بأن هذا الذي رآه وغطّه وكلّمه في الغار قد يكون أتيّا من الجن ، إذ قال لخديجة بعد أن أخبرها الخبر : « لقد خشيت على نفسي » أي من الجانّ ، ولكنها طمأنته بأنه ليس ممن يطولهم أذى الشياطين والجان لما فيه من الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة . وقد كان اللّه عز وجل قادرا أن يربط على قلب رسوله ويطمئن نفسه بأن هذا الذي كلمه ليس إلا جبريل : ملك من ملائكة اللّه جاء ليخبره أنه رسول اللّه إلى الناس ، ولكن الحكمة الإلهية اقتضت إظهار الانفصال التام بين شخصية محمد صلى اللّه عليه وسلم قبل البعثة وشخصيته بعدها ، وبيان أن شيئا من أركان العقيدة الإسلامية أو التشريع الإسلامي لم يطبخ في ذهن الرسول عليه الصلاة والسلام سابقا ولم يتصور الدعوة إليه سلفا . ثم إن فيما ألهم اللّه به خديجة من الذهاب به عليه الصلاة والسلام إلى ورقة بن نوفل ، وعرض عليه الأمر ، تأكيدا من جانب آخر بأن هذا الذي فوجىء به عليه الصلاة والسلام إنما هو الوحي الإلهي الذي كان قد أنزل على الأنبياء من قبله ، وإزالة لغاشية اللبس التي كانت تحوم حول نفسه بالخوف والتصورات المختلفة عن تفسير ما رآه وسمعه . أما انقطاع الوحي بعد ذلك ، وتلبّثه ستة أشهر أو أكثر ، على الخلاف المعروف فيه ، فينطوي على مثل المعجزة الإلهية الرائعة ، إذ في ذلك أبلغ الرد على ما يفسر به محترفو الغزو الفكري الوحي النبوي من أنه الإشراق النفسي المنبعث لديه من طول التأمل والتكرار ، وأنه أمر داخلي منبعث من ذاته نفسها . لقد قضت الحكمة الإلهية أن يحتجب عنه الملك الذي رآه لأول مرة في غار حراء مدة طويلة ، وأن يستبدّ به القلق من أجل ذلك ، ثم يتحول القلق لديه إلى خوف في نفسه من أن يكون اللّه عز وجل قد قلاه بعد أن أراد أن يشرفه بالوحي والرسالة ، لسوء قد صدر منه ، حتى لقد ضاقت الدنيا عليه ، وراحت تحدثه نفسه كلما وصل إلى ذروة جبل أن يلقي بنفسه منها ! . . إلى أن رأى ذات يوم الملك الذي رآه في حراء ، وقد ملأ شكله ما بين السماء والأرض يقول : يا محمد أنت رسول اللّه إلى الناس ، فعاد مرة أخرى وقد استبد به الخوف والرعب إلى البيت ، حيث نزل عليه قوله تعالى : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) قُمْ فَأَنْذِرْ ( 2 ) [ المدثر : 1 و 2 ] . . إن هذه الحالة التي مرّ بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، تجعل مجرّد التفكير في كون الوحي إلهاما نفسيا ، ضربا من الجنون ، إذ من البداهة بمكان أن صاحب الإلهامات النفسية