محمد سعيد رمضان البوطي

52

فقه السيرة ( البوطي )

يعينه ابنه إسماعيل عليه الصلاة والسلام ، وذلك استجابة منه لأمر ربه جل جلاله ، ثبت ذلك بصريح الكتاب والسنة الصحيحة ، أما الكتاب فقوله : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 127 ) [ البقرة : 127 ] . وأما السنة ، فأحاديث كثيرة منها ما رواه البخاري بسنده عن ابن عباس ، وجاء فيه : ( . . ثم قال - أي إبراهيم - يا إسماعيل ، إن اللّه أمرني بأمر ، قال : فاصنع ما أمرك ربك ، قال : وتعينني ؟ قال : وأعينك ، قال : فإن اللّه أمرني أن أبني ههنا بيتا ، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها ، قال : فعند ذلك رفعا القواعد من البيت ، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يا بني . . ) « 1 » . ونقل الزركشي عن تاريخ مكة للأزرقي أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام جعل طول بناء الكعبة في السماء سبعة أذرع وطولها في الأرض ثلاثين ذراعا وعرضها في الأرض اثنين وعشرون ذراعا وكانت بغير سقف « 2 » ، وحكى السهيلي أن طولها في السماء كان تسعة أذرع « 3 » . أقول ولعل هذه أقرب من رواية الأزرقي . وأما المرة الثانية : فهي تلك التي بنتها قريش قبل الإسلام ، واشترك في بنائها النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كما ذكرنا ، فجعلوا طولها في السماء ثماني عشر ذراعا ، ونقصوا من طولها في الأرض ستة أذرع وجزآ من الذراع تركوها في الحجر « 4 » . وفي ذلك يقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما روته عائشة : « يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدّم فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض وجعلت له بابا شرقيا وبابا غربيا فبلغت به أساس إبراهيم » « 5 » . وأما المرة الثالثة : فقد كانت عندما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزتها جيوشه من أهل الشام ، وخلاصة ذلك : أنهم حاصروا عبد اللّه بن الزبير بمكة بقيادة الحصين بن نمير السكوني في آخر سنة ست وثلاثين ، بأمر من يزيد ، ورموا البيت بالمنجنيق ، فتهدم واحترق ، فانتظر ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم ، فاستشارهم قائلا : أيها الناس أشيروا عليّ في الكعبة ، أنقضها ثم أبني بناءها أو أصلح ما وهي منها ؟ فقال له

--> ( 1 ) صحيح البخاري : كتاب أحاديث الأنبياء باب قوله تعالى : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا . ( 2 ) انظر أعلام الساجد للزركشي : 46 . ( 3 ) عيون الأثر : 1 / 52 . ( 4 ) روى ذلك البخاري في كتاب الحج باب فضل مكة ، وانظر أعلام الساجد للزركشي : 46 . ( 5 ) متفق عليه واللفظ للبخاري .