محمد سعيد رمضان البوطي

53

فقه السيرة ( البوطي )

ابن عباس : أرى أن تصلح ما وهي منها وتدع بيتا أسلم الناس عليه وأحجارا أسلم الناس عليها ، فقال ابن الزبير : لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يجدّه فكيف بيت ربكم ؟ إني مستخير ربي ثلاثا ثم عازم على أمري . ثم باشر نقضه بعد ثلاثة أيام حتى بلغوا به الأرض فأقام ابن الزبير أعمدة من حوله وأرخى عليها الستور ثم باشروا في رفع بنائه وزاد فيه الأذرع الستة التي قد أخرجت منه ، وزاد في طوله إلى السماء عشرة أذرع ، وجعل له بابين أحدهما يدخل منه والآخر يخرج منه ، وإنما جرّأه على إدخال هذه الزيادة حديث عائشة السابق عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 1 » . وأما المرة الرابعة : فقد كانت بعد مقتل ابن الزبير ، روى الإمام مسلم بسنده عن عطاء أنه لما قتل ابن الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أس نظر إليه العدول من أهل مكة ، فكتب إليه عبد الملك إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء ، أمّا ما زاد في طوله فأقرّه ، وأمّا ما زاد فيه من الحجر فردّه إلى بنائه ، وسدّ الباب الذي فتحه ، فنقضه وأعاده إلى بنائه « 2 » . قالوا : وقد عزم الرشيد بعد ذلك على أن ينقضها ويعيدها كما بناها ابن الزبير ، فقال له مالك بن أنس رحمه اللّه : أنشدك اللّه يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك بعدك ، لا يشاء أحد منهم أن يغيره إلا غيره ، فتذهب هيبته من قلوب الناس ، فصرفه عن رأيه فيه « 3 » . فهذه هي المرات الأربع التي بنيت فيها الكعبة بيقين . أما الخامسة التي وقع فيها الشك والخلاف : فهي تتعلق بما قبل بناء إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، هل كانت الكعبة مبنية قبل ذلك أم لا ؟ . جاء في بعض الآثار والروايات أن أول من بناها إنما هو آدم عليه الصلاة والسلام ، ومن أبرز ما ورد في ذلك ما رواه البيهقي في دلائل النبوة من حديث عبد اللّه بن عمرو قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « بعث اللّه عز وجل جبريل صلى اللّه عليه وسلم إلى آدم وحواء فقال لهما : ابنيا

--> ( 1 ) انظر عيون الأثر لابن سيد الناس 1 / 53 ، وأعلام الساجد للزركشي : 46 . الحديث رواه مسلم : باب نقض الكعبة وبنائها ، وفي رواية للطبري وغيره أنها إنما احترقت بشرارة انطلقت إليها من نار كانت توقد حولها وانظر تاريخ الطبري : 5 / 498 . ( 2 ) مسلم : 4 / 99 . ( 3 ) هذا وفي شرح النووي على مسلم والفتح على البخاري ، إن الذي همّ بنقض الكعبة هو الرشيد ، وذكر في عيون الأثر وأعلام الساجد أنه أبو جعفر المنصور ، ومعلوم أن مالكا رحمه اللّه عاصر كلّا من المنصور وهارون الرشيد ، فالاحتمال قائم .