محمد سعيد رمضان البوطي

51

فقه السيرة ( البوطي )

الأدلة على ذلك أن الذي باشر تأسيسها وبناءها هو إبراهيم خليل اللّه ، بأمر من اللّه تعالى لتكون أول بيت لعبادة اللّه وحده ومثابة للناس وأمنا . غير أن هذا لا يعني أو يستلزم أن يكون للكعبة تأثير على الطائفين حولها أو العاكفين فيها ، فهي ( على ما لها من قداسة ووجاهة عظيمة عند اللّه ) حجارة لا تضر ولا تنفع . ولكن اللّه عز وجل لما بعث إبراهيم عليه الصلاة والسلام بتكسير الأصنام والطواغيت وهدم بيوتها والقضاء على معالمها ونسخ عبادتها ، اقتضت حكمته جل جلاله أن يشيد فوق الأرض بناء يكون شعارا لتوحيد اللّه وعبادته وحده ، ويظل - مع الدهر - تعبيرا للعالم عن المعنى الصحيح للدين والعبادة وعن بطلان كل من الشرك وعبادة الأصنام ، لقد قضت البشرية ردحا من الزمن ، تدين بالعبادة للحجارة والأصنام والطواغيت وتنشىء لها المعابد ، ولقد آن لها أن تدرك بطلان كل ذلك وزيفه ، وآن لها أن تستعيض عن تلك المعابد هذا الرمز الجديد . . هذا المعبد الذي أقيم لعبادة اللّه وحده ، يدخله الإنسان ليقف عزيزا لا يخضع ولا يذل إلا لخالق الكون كله ، وإذا كان لا بد للمؤمنين بوحدانية اللّه والداخلين في دينه من رابطة يتعارفون بها ، ومثابة يؤوبون إليها ، مهما تفرقت بلدانهم وتباعدت ديارهم واختلفت أجناسهم ولغاتهم ، إذا كان لا بد من ذلك فليس أجدر من هذا البيت الذي أقيم رمزا لتوحيد اللّه ، وردا على باطل الشرك والأصنام ، من أن يكون هو الرابطة وهو المثابة لهم جميعا ، يتعارفون في حماه ، ويلتقون على الحق الذي شيّد ليكون تعبيرا عنه ، فهو الشعار الذي يجسد وحدة المسلمين في أقطار الأرض ، ويعبر عن توحيد اللّه والعبادة له وحده ومهما أقيم من آلهة زائفة وانتصب من متألهين باطلين على مر الأزمنة والعصور . وهذا معنى قوله تعالى : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [ البقرة : 125 ] ، وهذا هو المعنى الذي يلحظه الطائف بالبيت الحرام ، بعد أن يملأ قلبه من معنى العبودية للّه تعالى ، والقصد إلى تحقيق أوامره من حيث إنها أوامر ومن حيث إنه عبد مكلف بتلبية الأمر وتحقيق المأمور به ، ومن هنا جاءت قداسة البيت وعظم مكانته عند اللّه تعالى وكانت ضرورة الحج إليه والطواف من حوله . ثانيها : بيان أهم ما تعاقب على الكعبة من الهدم والبناء . بنيت الكعبة خلال الدهر كله ، أربع مرات بيقين ، ووقع الخلاف والشك فيما قبل هذه المرات الأربع وبعدها . فأما المرة الأولى منها ، فهي التي قام بأمر البناء فيها إبراهيم عليه الصلاة والسلام