محمد سعيد رمضان البوطي
45
فقه السيرة ( البوطي )
وفيما قصه النبي صلى اللّه عليه وسلم عن نفسه من خبر حفظ اللّه إياه من كل سوء منذ صغره وصدر شبابه ، ما يوضح لنا حقيقتين كل منهما على جانب كبير من الأهمية . الأولى : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان متمتعا بخصائص البشرية كلها ، وكان يجد في نفسه ما يجده كل شاب من مختلف الميولات الفطرية التي اقتضت حكمة اللّه أن يجبل الناس عليها ، فكان يحس بمعنى السمر واللهو ويشعر بما في ذلك من متعة ، وتحدثه نفسه لو تمتع بشيء من ذلك كما يتمتع الآخرون . الثانية : إن اللّه عز وجل قد عصمه مع ذلك عن جميع مظاهر الانحراف وعن كل ما لا يتفق مع مقتضيات الدعوة التي هيأه اللّه لها ، فهو حتى عندما لا يجد لديه الوحي أو الشريعة التي تعصمه من الاستجابة لكثير من رغائب النفس ، يجد عاصما آخر خفيا يحول بينه وبين ما قد تتطلع إليه نفسه مما لا يليق بمن هيأته الأقدار لتتميم مكارم الأخلاق وإرساء شريعة الإسلام . وفي اجتماع هاتين الحقيقتين لديه صلى اللّه عليه وسلم دليل واضح على أن ثمة عناية إلهية خاصة تسيّره وتأخذ بيده بدون وساطة الأسباب المعروفة كوسائل التربية والتوجيه ، ومن ذا الذي يوجهه في طريق هذه العصمة وكل الذين حوله من أهله وبني قومه وجيرانه ، غرباء عن هذا الطريق ، ضالون عن هذه الوجهة ؟ . لا جرم إذا أن هذه العناية الإلهية الخاصة التي جعلت لشباب النبي صلى اللّه عليه وسلم طريقا دقيقا من النور يمخر عباب ظلام الجاهلية ، من أعظم الآيات الدالة على معنى النبوة التي خلقه اللّه لها وهيأه لحمل أعبائها ، وعلى أن معنى النبوة هو الأساس في تكوين شخصيته واتجاهاته النفسية والفكرية والسلوكية في الحياة . وكان من اليسير أن يولد الحبيب الأعظم صلى اللّه عليه وسلم ، وقد انتزعت من نفسه كل هذه الدوافع الغريزية إلى التمتع بالشهوات والأهواء ، فلا يجد في نفسه ما يدفعه أصلا إلى ترك أغنامه أمانة عند زميله ليهبط إلى بيوت مكة فيبحث بينها عن قوم يسمرون أو يلهون ويمرحون ، غير أن ذلك لا يدل حينئذ على أكثر من شذوذ في تركيبه النفساني ، وهي ظاهرة يوجد لها نماذج في كل قوم وعصر ، وإذا فليس ثمة ما يدل على العناية الخفية التي تصرفه عما لا يليق رغم وجود الدوافع الغريزية نحوه ، وإنما اقتضت حكمة اللّه عز وجل أن يتبدى للناس من هذه العناية الإلهية بالرسول الكريم ما يسهل عليهم أسباب الإيمان برسالته ويبعد عن أفكارهم عوامل الريب في صدقه .