محمد سعيد رمضان البوطي
46
فقه السيرة ( البوطي )
تجارته بمال خديجة وزواجه منها كانت خديجة - كما يروي ابن الأثير وابن هشام - امرأة تاجرة ذات شرف ومال ، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم منه ، فلما بلغها عن رسول اللّه صدق الحديث وعظم الأمانة وكرم الأخلاق ، أرسلت إليه ليخرج في مالها إلى الشام تاجرا وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره ، ومعه غلامها ميسرة ، وقد قبل محمد عليه الصلاة والسلام هذا العرض فرحل إلى الشام عاملا في مالها ومعه ميسرة ، فحالفه التوفيق في هذه الرحلة أكثر من غيرها ، وعاد إلى خديجة بأرباح مضاعفة ، فأدى لها ما عليه في أمانة تامة ونبل عظيم ، ووجد ميسرة من خصائص النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وعظيم أخلاقه ما ملأ قلبه دهشة له ، وإعجابا به ، فروى ذلك لخديجة . فأعجبت خديجة بعظيم أمانته ، ولعلها دهشت لما نالها من البركة بسببه ، فعرضت نفسها عليه زوجة بواسطة صديقتها : نفيسة بنت منيّة ، فوافق النبيّ عليه الصلاة والسلام ، وكلم في ذلك أعمامه فخطبوها له من عمها عمرو بن أسد ، وتزوجها عليه الصلاة والسلام وقد تم له من العمر خمسة وعشرون عاما ولها من العمر أربعون . وقد كانت تزوجت خديجة قبل زواجها من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم برجلين : الأول منهما عتيق بن عائذ التميمي ، ثم خلفه عليها أبو هالة التميمي واسمه هند بن زرارة « 1 » . العبر والعظات : أما عمله صلى اللّه عليه وسلم في مال خديجة ، فهو استمرار لحياة الكدح الذي بدأه برعي الأغنام ، ولقد شرحنا طرفا مما يتعلق بذلك من الحكمة والعبرة . وأما فضلها ومنزلتها في حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم فلقد ظلت لخديجة مكانة سامية عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم طوال حياته ، وقد ثبت في الصحيحين أنها خير نساء زمانها على الإطلاق .
--> ( 1 ) رواه ابن سيد الناس في « عيون الأثر » وابن حجر في الإصابة ، وغيرهما ، وقد جرى خلاف في الأول منهما ، والذي رجحه ابن سيد الناس ورواه قتادة وابن إسحاق أن الأول منهما هو عتيق بن عائذ والثاني هند بن زرارة .