محمد سعيد رمضان البوطي
392
فقه السيرة ( البوطي )
الذكر دائم الفكر ، جلّ ضحكه التبسم ، وكان يمزح ولا يقول إلا حقا ، وكان يتألف أصحابه ويكرم كريم كل قوم ويولّيه أمرهم ، ثبت في الصحيح عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه أنه قال : ما مسست ديباجا ولا حريرا ألين من كف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا شممت رائحة قط أطيب من رائحته ، ولقد خدمت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عشر سنين فما قال لي قط أفّ ، ولا قال لشيء فعلته لم فعلته ؟ ولا لشيء لم أفعله ألا فعلت كذا ؟ واعلم أن زيارة مسجد وقبره صلى اللّه عليه وسلم ، من أعظم القربات إلى اللّه عز وجل ، أجمع على ذلك جماهير المسلمين في كل عصر إلى يومنا هذا ، لم يخالف في ذلك إلا ابن تيمية غفر اللّه له ، فقد ذهب إلى أنّ زيارة قبره صلى اللّه عليه وسلم غير مشروعة ، ودليل ما أجمع عليه المسلمين من دونه عدة وجوه : الوجه الأول : مشروعية زيارة القبور عموما واستحبابها ، وقد ذكرنا فيما سبق أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان يذهب كل ليلة إلى البقيع يسلّم على أهله ويدعو ويستغفر لهم ، ثبت ذلك في الصحيح ، والأحاديث الثابتة في تفصيل ذلك كثيرة ، ومعلوم أن قبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم داخل في عموم القبور فيسري عليه حكمها . الوجه الثاني : ما ثبت من إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم على زيارة قبره صلى اللّه عليه وسلم والسلام عليه كما مروا على الروضة الشريفة ، وروى ذلك الأئمة الأعلام وجماهير العلماء بما فيهم ابن تيمية رحمه اللّه . الوجه الثالث : ما ثبت من زيارة كثير من الصحابة قبره صلى اللّه عليه وسلم ، منهم بلال رضي اللّه عنه رواه ابن عساكر بإسناد جيد ، وابن عمر فيما رواه مالك في الموطأ وأبو أيوب فيما رواه أحمد ، دون أن يؤثر عنهم أو عن أحد منهم أي استنكار أو نقد لذلك . الوجه الرابع : ما رواه أحمد رضي اللّه عنه بسند صحيح أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما خرج يودع معاذ بن جبل إلى اليمن قال له : « يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا ، ولعلك أن تمرّ بمسجدي هذا وقبري » ، فكلمة « لعل » تأتي في أعمّ الأحوال للرجال ، وإذا دخلت « أن » على خبرها تمخضت للعرض والرجاء ، فالجملة تنطوي بصريح البيان على توصية معاذ بأن يعرج عند رجوعه إلى المدينة على مسجده صلى اللّه عليه وسلم وقبره ليسلم عليه « 1 » .
--> ( 1 ) هنالك أيضا طائفة من الأحاديث الواردة عنه صلى اللّه عليه وسلم في فضل زيارة قبره ، لا يخلو معظمها من ضعف أو لين ، وهي وإن كانت ترتقي في مجموعها إلى درجة القوة ، فقد آثرنا أن لا نسوقها مع هذه الدلائل التي ذكرناها حتى لا يتعلق المخالفون بما قد يطيب لهم التعلق به من لين أو ضعف فيها ، فيجدوا بذلك منفذا للانتصار لرأي ابن تيمية على ما فيه من شذوذ .