محمد سعيد رمضان البوطي
393
فقه السيرة ( البوطي )
إذا تبين هذا ، فاعلم أنه لا وجه لما انفرد به ابن تيمية رحمه اللّه من دفع هذه الأوجه كلها في غير ما دافع والقول بأن زيارة قبره صلى اللّه عليه وسلم عمل غير مشروع ! . . وجملة ما اعتمده ابن تيمية في ذلك ، قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تشد الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد ، المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى » وقوله : « لعن اللّه اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » وقوله : « لا تجعلوا قبري عيدا » . وليس في شيء من هذه الأحاديث الثلاثة ما يصلح أن يكون مستندا لما انفرد به . 1 - فقوله عليه الصلاة والسلام : « لا تشد الرحال . . » إلخ استثناء مفرغ كما هو معلوم والمستثنى منه محذوف ، وإنما يقدر المستثنى من جنس المستثنى منه ، وإلا كان استثناء منقطعا ، وهو استثناء مجازي ، ولا يجوز إضمار المجاز إلّا عند الضرورة التي لا تصلح معها الحقيقة . فتقدير الحديث : لا تشد الرحال إلى المساجد إلا إلى ثلاثة منها . . إلخ فالمستثنى منه هو المساجد ، والمعنى : أن جميع المساجد في الفضل سواء ، إلا هذه المساجد الثلاثة ، فلا وجه لتفضيل بعضها على البعض في زيارة أو اعتكاف أو نحو ذلك ، وعملا بهذا الحديث قال الفقهاء : إنه لو نذر الاعتكاف وسمى مسجدا معينا غير هذه المساجد الثلاثة ، لم يجب عليه قصد ذلك المسجد بخصوصه ولم يسنّ ، بل يغنيه أن يعتكف في أي مسجد من مساجد الدنيا . أما حديثنا فهو عن زيارة قبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو ليس داخلا لا في المستثنى ولا في المستثنى منه ، فالحديث بمعزل عن أي إشارة إليه ، وهو كما لو قلت : لا يجوز أن تشد الرحال إلى زيارة الأرحام أو إلى العلماء لنتعلم منهم ، لحديث : « لا تشد الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد . . » إلخ ! . . ثم إننا نسأل بعد هذا : أفيفهم ابن تيمية من كلمة « شد الرحال » معناها الحقيقي ، أم المعنى المجازي الذي هو القصد والعزم على الشيء ؟ . فإن كان يفهم منها المعنى الحقيقي ، فينبغي ألا تحرم زيارة غير هذه المساجد الثلاثة من المساجد الأخرى إلّا إذا شدّ لذلك رحلا ثم مضى إليه بواسطة الرحل ، قربت المسافة أو بعدت ، فإن سعى إليه بوسيلة أخرى غير شد الرحال لم يعد ذلك حراما ، وهل يقول عاقل بذلك ؟ . وإن كان يفهم من الكلمة معناها المجازي - وإنما المعنى المجازي لها هو الاتجاه