محمد سعيد رمضان البوطي

385

فقه السيرة ( البوطي )

الثالثة : ما ذكرناه من رواية مسلم عن عائشة رضي اللّه عنها أنه صلى اللّه عليه وسلم قال لها : « ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل : أنا أولى ، ويأبى اللّه والمؤمنون إلا أبا بكر » ، وإن هذا الحديث ليعدّ بمثابة النص على استخلاف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم له من بعده ، ولئن كانت الحكمة الإلهية اقتضت أن لا يأخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أصحابه عهدا بذلك وأن لا يسجل لهم كتابا به ، فكل ذلك كي لا يصبح توارث الحكم والخلافة سنة متبعة من بعده ، وفي ذلك من مفسدة القضاء على اتباع شروط الصلاح في الحاكم ما هو غير خاف على أحد . الرابعة : استخلافه رضي اللّه عنه للصلاة بالناس في مكانه ، ولقد رأيت مدى شدته في تعيين أبي بكر لذلك وردّه الشديد على عائشة رضي اللّه عنها فيما راجعته به . ولئن كنا نقول : إن هذه المزايا الثابتة في صحاح الأحاديث لأبي بكر رضي اللّه عنه ، هي التي رجحت مبايعة المسلمين له بالخلافة بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فهذا لا يغض من خصائص وميز الصحابة والخلفاء الآخرين خصوصا علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، فقد رأيت أنه صلى اللّه عليه وسلم قال في غزوة خيبر : « لأعطينّ هذه الراية غدا لرجل يحبه - اللّه - ورسوله » ، فذهب الناس يتساءلون في تلك الليلة من سيكون صاحب الراية ، فكان صاحبها هو علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه . ولقد انتهى أمر الخلافة وأبرم المسلمون الحكم فيها عقب وفاته صلى اللّه عليه وسلم ، دون أن يستلزم ذلك أي تفرق أو شقاق بينهم من وراء حدود المذاكرة والمناقشة التي لا بدّ منها ، وظل كل من أبي بكر وعلي رضي اللّه عنهما مظهرا ولسانا ناطقا بفضل الآخر ، ولا ريب أن من تافه القول والعمل أن نعمد بعد مرور ما يقارب أربعة عشر قرنا على ذلك التاريخ فنضيع الوقت ونستثير الشحناء والبغضاء ، في سبيل القول بأن هذا كان أولى بالخلافة أم ذاك ، مع أن أصحاب العلاقة أنفسهم لم يقم بينهم أي شقاق من هذا القبيل ، وما مضوا للقاء ربهم إلا وهم ينبضون بقلب واحد حبا وتضامنا . رابعا : ( النهي عن اتخاذ القبور مساجد ) : ولقد رأيت من صيغة الحديث الدال على ذلك شدة النهي والمبالغة في التحذير من الإقدام على هذا العمل ، قال العلماء : وإنما نهى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم عن اتخاذه قبره وقبر غيره مسجدا خوفا من المبالغة في تعظيمه والافتتان ، به ، فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية . وتتحقق صورة النهي عنه بأن يشاد فوق القبر مسجد فيصبح ما حول القبر مصلى بذلك للناس ، أو بأن يصلّى عند القبر وأن يتخذ مسجدا ، والعلماء في حكمهم على