محمد سعيد رمضان البوطي

386

فقه السيرة ( البوطي )

الصلاة عند القبور ، بين محرم ومكره والذين قالوا بالكراهة شددوا بها عندما تكون الصلاة إلى القبر ، أي بأن يكون القبر بين المصلى والقبلة ، ولكنها صحيحة على كل ، لأن الحرمة لا تستلزم البطلان ، فيكون حكمها كحكم الصلاة في الأرض المغصوبة . قال الإمام النووي : ولما احتاج الصحابة رضوان اللّه عليهم والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين كثر المسلمون ، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيها ، ومنها حجرة عائشة رضي اللّه عنها مدفن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما ، بنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد فيصل إليه العوام ويؤدي إلى المحذور ، ثم بنوا جدارين على ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا ، حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر « 1 » . خاسما : ( شعوره صلى اللّه عليه وسلم وهو يعاني سكرة الموت ) : وإنا لنستطيع أن ندرك شعوره وما كان قد انصرف إليه تفكيره وهمه في تلك الساعة مما ذكرناه ، فقد رأينا أنه بينما كان الناس مصطفين لصلاة فجر يوم الاثنين إذا بالستر المضروب على حجرة عائشة رضي اللّه عنها قد كشف ، وبرز رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من ورائه ، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة ، ثم تبسم يضحك ، حتى نكص أبو بكر على عقبه ليصل الصف وكاد الناس أن يفتنوا في صلاتهم فرحا به صلى اللّه عليه وسلم ولكنه أشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم ، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر . لقد كان تفكيره إذا منصرفا تلك الساعة إلى أمته ، وإلى ما سيكون عليه حالهم من بعده . . وإنك لتشعر من نظرته الباسمة إلى أصحابه وهم يقفون خاشعين بين يدي اللّه تعالى ، بمعنى الحب العظيم يفيض به فؤاد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لهم ، بل وإنك لتجد في ابتسامته مظهرا لما كان يخفق به قلبه من حبّهم والدعاء لهم والتوجه إليهم . لقد أراد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - بأبي هو وأمي - وهو يمر بآخر دقائق عمره أن يتزود من أصحابه رضوان اللّه عليهم بآخر نظرة ، وأن يطمئن إلى الحق الذي تركهم عليه والهداية التي أرشدهم إليها . . فأراه اللّه منهم ما طابت به نفسه وقرت له عينه ، حتى غلب ذلك المشهد آلام الموت السارية في جسده فغلبها ، وإذا بالبشر والسرور والرضا يطفح كل ذلك على وجهه ، حتى خيّل للصحابة أنه صلى اللّه عليه وسلم قد نشط من أوجاعه ، وعوفي من آلامه . ولكنهم ما عرفوا إلا أخيرا أنه إنما وقف ينظر إليهم تلك النظرة لينقلب بها إلى

--> ( 1 ) النووي على مسلم : 5 / 13 ، 14 .