محمد سعيد رمضان البوطي
384
فقه السيرة ( البوطي )
الساحر مع دعوى أنه نبي « 1 » . هذا إلى أن سلطان السحر محدود ، فهو وإن كان له حقيقة كما قلنا ، غير أن حقيقته لا تتجاوز حدودا معينة ، ولا يمكن أن يتوصل به إلى قلب الحقائق وتبديل جواهر الأشياء ، ولذلك عبر اللّه سبحانه وتعالى عن السحر الذي صنعه سحرة فرعون بقوله : أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى [ طه : 66 ] فعبر عما رآه موسى ، من صنيعهم بالخيال ، أي فالحبال لم تنقلب في الحقيقة إلى ثعابين بسحرهم الذي فعلوه ، وإنما الذي اتجه إليه سحرهم هو أبصار المشاهدين فقط فهي التي سحرت لا الحبال والعصيّ ، وهذا ما أوضحته الآية الأخرى وهي قوله تعالى : سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [ الأعراف : 116 ] . وإذا تأملت في هذا الذي نقول ، علمت أنه لا تنافي بين ما ذكرناه من أن السحر حقيقة ثابتة ، وقوله تعالى : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى [ طه : 66 ] إذ إن انقلاب الحبال ثعابين تسعى ، خيال ، أما تأثر العين بهذا الخيال وضعفها عن رؤية الحقيقة فذلك هو مفعول السحر وحقيقته لما أصاب العين هذا الذي أصابها ، وهذا التحقيق يؤكد لك أيضا أن مناط السحر دائما هو جسم الإنسان أو حواسه وجوارحه ، تظهر بسببه بعض المرئيات أو المحسوسات على غير حقيقتها . ثالثا : ( مظاهر من فضل أبي بكر رضي اللّه عنه ) : وفيما أسلفنا من قصة مرضه صلى اللّه عليه وسلم أربع دلائل على ما لأبي بكر رضي اللّه عنه من المزية والفضل عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . الأولى : حينما بدأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خطابه بقوله : « عبد خيّره اللّه بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده » . فقد أدرك أبو بكر ما يعنيه عليه الصلاة والسلام ولذلك أخذه البكاء وصرخ قائلا : فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، ولم ينتبه أحد غيره إلى هذا الذي استشعره رضي اللّه عنه من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام . فقد جاء في بعض طرق هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري أنه لما بكى أبو بكر لقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قلت في نفسي : ما يبكي هذا الشيخ أن يكون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يخبرنا عن عبد خيّر فاختار ؟ قال : فكان رسول اللّه هو المخيّر ، وكان أبو بكر أعلمنا به . الثانية : قوله عليه الصلاة والسلام : « إن آمن الناس عليّ في ماله وصحبته أبو بكر . . » الحديث ، وأنها لكلمات خوالد ما سجّل مثلها لغير أبي بكر رضي اللّه عنه .
--> ( 1 ) راجع النووي على صحيح مسلم : 14 / 175 .