محمد سعيد رمضان البوطي

378

فقه السيرة ( البوطي )

وهو مغشى بثوب حبرة ، فكشف عن وجهه ، ثم أكبّ عليه فقبله ، وبكى ، ثم قال : بأبي أنت وأمي لا يجمع اللّه عليك موتتين ، أما الموتة التي كتبت عليك فقدمتها « 1 » ، ثم خرج رضي اللّه عنه وعمر يكلم الناس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يمت ، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران وأنه صلى اللّه عليه وسلم لا يموت حتى يفني اللّه المنافقين ؛ فأقبل أبو بكر يقول له : على رسلك يا عمر ، أنصت ولكنه استمر في كلامه مهتاجا ، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس فأقبلوا إليه وتركوا عمر ، فقال أبو بكر : أما بعد أيها الناس ، من كان منكم يعبد محمدا صلى اللّه عليه وسلم فإن محمدا قد مات ، ومن كان منكم يعبد اللّه فإن اللّه حي لا يموت ، قال اللّه تعالى : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ [ آل عمران : 144 ] . فكأن الناس لم يعلموا أن اللّه نزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر ، فتلقاها منه الناس كلهم ، فما سمعها بشر من الناس إلا وأخذ يتلوها ، قال عمر رضي اللّه عنه : واللّه ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها ، فعقرت ما تقلّني رجلاي وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها وعلمت أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قد مات « 2 » . وقد أجمع الرواة وأهل العلم أنه صلى اللّه عليه وسلم توفي عن ثلاثة وستين عاما من العمر ، قضى أربعين منها قبل البعثة ، وثلاثة عشر عاما يدعو إلى اللّه في مكة وعشر سنين قضاها في المدينة بعد الهجرة ، وكانت وفاته في أول العام الحادي عشر . وروى البخاري عن عمرو بن الحارث ، قال : ما ترك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة ، إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه ، وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة . العبر والعظات : في أحداث هذا القسم الأخير من سيرة المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ، تلوح قصة الحقيقة الكبرى في هذا الوجود ! . الحقيقة التي يسقط عندها جبروت المتجبرين وعناد الملحدين ، وطغيان البغاة المتألهين ، إنها الحقيقة التي تمدّ صفحة هذا الوجود المائج كله ، بغاشية الانتهاء والفناء ، وتصبغ الحياة البشرية بصبغة العبودية والذل لقهار السماوات والأرض ، حقيقة تسربل بها - طوعا أو كرها - العصاة والطائعون ، والرؤساء والمتألهون ، والرسل والأنبياء ، والمقربون والأصفياء ، والأغنياء والفقراء ، ودعاة العلم والاختراع !

--> ( 1 ) رواه البخاري . ( 2 ) رواه ابن إسحاق وغيره ، كما رواه البخاري أيضا مع فرق بسيط في بعض الألفاظ .