محمد سعيد رمضان البوطي
379
فقه السيرة ( البوطي )
إنها الحقيقة التي تعلن على مدى الزمان والمكان ، وفي أذن كل سامع وعقل كل مفكر : أن لا ألوهية إلا للّه وحده ، وأن لا حاكمية إلا لذاك الذي تفرد بالبقاء ، فهو الذي لا مرد لقضائه ، ولا حدود لسلطانه ، ولا مخرج عن حكمه ، ولا غالب على أمره . أيّ حقيقة تنطق بهذه الدلالة نطقا لا لبس فيه ولا غموض أعظم من حقيقة الموت وسكرة الموت إذ قهر اللّه بهما سكان الدنيا كلها منذ فجر الوجود إلى أن تغيب شمسه ؟ ! . . . لقد مر في معبر هذه الدنيا كثير من أولئك المغتربين الذي غرقوا في شبر من القوة التي أوتوها ، أو العلوم التي فهموها ، أو المخترعات التي اكتشفوها ، ولكن هذه الحقيقة الكبرى سرعان ما انتشلتهم وألقت بهم في بيداء العبودية وأيقظتهم إلى صحو التذلل لقيوم السماوات والأرض مالك الملك كله ، فقدموا إلى اللّه عبيدا أذلاء خاضعين . كل نفس ذائقة الموت ! . . إطلاق لا قيد فيه ، وعموم لا مخصص له ، وشمول ليس للدنيا كلها أن تجعل له حدّا ، فليأت دعاة العلم الجديد ، والرقي الحديث ، ومتوثبو الغزو الفضائي فليجمعوا أمرهم وليضفروا جميع إمكاناتهم المختلفة وليحشدوا كل أقمارهم المصنوعة ومراكبهم المشروعة ، فليستعينوا بذلك كله على أن يزيحوا عن أنفسهم شيئا من سلطان هذا الموت الذي قهرهم واستذلهم ، وليبطلوا بذلك ولو جزآ من هذا التحدي الإلهي : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [ آل عمران : 185 ] ، فإن فعلوا ذلك فإن لهم حينئذ أن يشيدوا لأنفسهم صروحا عالية من الجبروت والطغيان والتأله والكفران ، وإلا فأحرى بهم أن يتفرغوا للتأمل في تلك القبور التي سيغيبون في أحشائها والتربة التي سيمتدون من تحتها ، وفي القبضة التي سوف لن ينجوا من حكمها . ولقد كان من اليسير على اللّه عز وجل أن يجعل مرتبة رسوله صلى اللّه عليه وسلم فوق مستوى الموت وآلامه ، ولكن الحكمة الإلهية شاءت أن يكون قضاء اللّه تعالى في تجرع هذا الكأس بشدتها وآلامها عامّا لكل أحد مهما كانت درجة قربه من اللّه جل جلاله ، حتى يعيش الناس في معنى التوحيد وحقيقته ، وحتى يدركوا جيدا أن كل من في السماوات والأرض إلا آتى الرحمن عبد ، فليس لأحد أن يتمطى ليعلو بنفسه عن مستوى العبودية بعد أن عاش رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خاضعا لحكمها ونزل به قضاؤها . وليس لأحد أن لا يكثر من ذكر الموت وسكرته ، بعد أن عانى حبيب اللّه تعالى من برحائها وغشيته آلامها .