محمد سعيد رمضان البوطي
377
فقه السيرة ( البوطي )
الصلاة ، ثم تبسم يضحك ، فنكص أبو بكر على عقبه ليصل الصف ، فقد ظن أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يريد أن يخرج إلى الصلاة ، وهمّ المسلمون أن يفتنوا في صلاتهم فرحا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأشار إليهم بيده صلى اللّه عليه وسلم أن أتموا صلاتكم ، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر « 1 » . وانصرف الناس من صلاتهم ، وهم يحسبون أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قد نشط من مرضه ، ولكن تبين أنها كانت نظرة وداع منه صلى اللّه عليه وسلم إلى أصحابه ، فقد عاد عليه الصلاة والسلام فاضطجع إلى حجر عائشة رضي اللّه عنها ، وأسندت رضي اللّه عنها رأسه إلى صدرها ، وجعلت تتغشاه سكرة الموت ، قالت : وكان بين يديه ركوة فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بها وجهه ويقول : « لا إله إلا اللّه ، إن للموت سكرات » « 2 » . وكانت فاطمة رضي اللّه عنها إذا رأت منه ذلك قالت : واكرب أباه ! . فيقول لها عليه الصلاة والسلام : « ليس على أبيك كرب بعد هذا اليوم » « 3 » . قالت عائشة رضي اللّه عنها : إن اللّه جمع بين ريقي وريقه عند موته ، دخل عليّ عبد الرحمن وبيده السواك وأنا مسندة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فرأيته ينظر إليه ، وعرفت أنه يحب السواك ، فقلت آخذه لك ، فأشار برأسه أن نعم ، فتناولته فاشتد عليه ، فقلت أليّنه لك ؟ فأشار برأسه أن نعم ، فلينته فأمرّه ، وبين يديه ركوة فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح وجهه ويقول : « لا إله إلا اللّه إن للموت سكرات » ، ثم نصب يده فجعل يقول : « في الرفيق الأعلى » ، حتى قبض ، ومالت يده « 4 » . وانتشر خبر وفاته صلى اللّه عليه وسلم في الناس ، وأقبل أبو بكر رضي اللّه عنه على فرس من مسكنه في السّنح - وكان قد ذهب إلى منزله هناء آملا أنه صلى اللّه عليه وسلم قد عوفي من وجعه - ، حتى نزل فدخل المسجد ، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة ، فتيمم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
--> ( 1 ) رواه الشيخان . ( 2 ) رواه البخاري في باب مرض الرسول صلى اللّه عليه وسلم ووفاته ، وفي باب سكرة الموت من كتاب الرقاق : 7 / 192 ، ورواه الترمذي والنسائي وأحمد بطريق آخر بلفظ ( اللّهم أعنّي على سكرات الموت ) . وقد خرجه الشيخ ناصر فقال : ضعيف أخرجه الترمذي وغيره عن طريق موسى بن سرجس بن محمد عن عائشة . . إلخ . وإنما هو ضعيف بهذا اللفظ فقط ، أما أصل الحديث فقد رواه البخاري بطريق صحيح ، وإذا كان للحديث الواحد طريقان فلا ينبغي الاقتصار في تخريجه على ذكر الضعيف منهما لما فيه من الإيهام ، كما سبق بيانه ولا يضير اختلاف يسير في اللفظ ما دامت الحادثة واحدة . ( 3 ) رواه البخاري . ( 4 ) رواه البخاري ومسلم ، واللفظ للبخاري .