محمد سعيد رمضان البوطي

368

فقه السيرة ( البوطي )

وفي البند الرابع : أوصى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خيرا بالنساء ، وأكد في كلمة مختصرة جامعة القضاء على الظلم البائد للمرأة في الجاهلية ، وتثبيت ضمانات حقوقها وكرامتها الإنسانية التي تضمنتها أحكام الشريعة الإسلامية . ولقد كانت هذه الحقيقة جديرة بتأكيد التوصية بها ، بسبب أولئك المسلمين الذين كانوا قريبي عهد بتقاليدهم الجاهلية التي تقضي بإهمال شأن المرأة وعدم الاعتراف بأي حق لها ، ولعل هنالك حكمة أخرى لهذه التوصية والاهتمام بها ، وهي أن يكون المسلمون في كل عهد وطور من الزمن ، على بيّنة من الفرق الكبير بين كرامة المرأة وحقوقها الطبيعية التي ضمنتها شرعة الإسلام ، وما يهدف إليه بعضهم من استباحة الوسائل المختلفة إلى التمتع والتلهي بها ، وهو ما حاربه الإسلام . وفي البند الخامس : وضع النبي صلى اللّه عليه وسلم الناس من جميع المشكلات التي قد تعترض حياتهم ، أمام مصدرين لا ثالث لهما ، ضمن لهم بعد الاعتصام بهما ، الأمان من كل شقاء وضلال ، هما : كتاب اللّه وسنة رسوله . وإنك لتجده يتقدم بهذا التعهد والضمان إلى جميع الأجيال المتعاقبة من بعده ، ليبيّن للناس أن صلاحية التمسك بهذين الدليلين ليس وقفا على عصر دون آخر ، وأنه لا ينبغي أن يكون لأيّ تطور حضاري أو عرف زمني أي سلطان أو تغلب عليهما . وأما البند السادس : فقد أوضح فيه صلى اللّه عليه وسلم ما ينبغي أن يكون عليه علاقة الحاكم أو الخليفة أو الرئيس مع الرعية أو الشعب ، إنها علاقة السمع والطاعة من الشعب للحاكم مهما كان نسبه وشأنه ومظهره ما دام يحكم بكتاب اللّه وسنة رسوله ، فإذا حاد عنهما فلا سمع ولا طاعة ، فلا مناط لولاء الحكم وضرورة اتباعه إلا سيره على نهج الكتاب والسنة ، وليكن بعد ذلك إن شاء عبدا حبشيا مجدّعا ، فلا يخفضه ذلك قيد شعرة عن غيره عند اللّه تعالى . ولقد أوضح لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بهذا ، أنه لا امتياز للحاكم من وراء حدود كتاب اللّه تعالى وسنة نبيه ، ولا يمكن لحاكميته أن ترفعه قيد شعرة فوق مستوى المنهج والحكم الإسلامي ، إذ هو في الحقيقة ليس بحاكم ولا يتمتع بأي حاكمية حقيقية ، ولكنه أمين من قبل المسلمين على تنفيذ حكم اللّه تعالى ، ومن هنا لم تتعرف الشريعة الإسلامية على شيء مما يسمى بالحصانة أو الامتيازات لطبقة ما بين المسلمين في شؤون الحكم أو القانون والقضاء .