محمد سعيد رمضان البوطي
369
فقه السيرة ( البوطي )
وفي الختام . . يشعر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه أخرج مسؤولية الدعوة وتبليغها عن عنقه ، فها هو الإسلام قد انتشر ، وها هي ضلالات الجاهلية والشرك قد تبدّدت ، وها هي أحكام الشريعة الإلهية قد بلّغت ، وها هو الوحي ينزل عليه صلى اللّه عليه وسلم يقول اللّه تعالى مخاطبا البشر كلهم : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [ المائدة : 3 ] . ولكنه صلى اللّه عليه وسلم يريد أن يطمئن إلى شهادة أمته بذلك أمام اللّه تعالى يوم القيامة عندما يسألون . . فأعقب توصياته هذه لهم بأن نادى فيهم قائلا : « إنكم ستسألون عني ، فما أنتم قائلون ؟ » . وارتفعت الأصوات من حوله تصرخ : نشهد أنك قد بلّغت ، وأديت ، ونصحت ، وحينئذ اطمأن الرسول العظيم صلى اللّه عليه وسلم ! . . . لقد كان يريد أن يستوثق من هذه الشهادة التي سيلقى بها وجه ربه عز وجل . . ولقد اطمأن الحبيب الأعظم صلى اللّه عليه وسلم إذ ذاك ، وشعشع الرضى في عينيه ، ونظر بهما إلى الأعلى مشيرا بسبابته إلى السماء ثم إلى الناس يقول : « اللّهم اشهد . . . اللّهم اشهد . . اللّهم اشهد » . ويا ما أعظمها من سعادة ! ؟ . . سعادة رسول اللّه عليه الصلاة والسلام بشبابه الذي أبلاه وعمره الذي أمضاه في سبيل نشر شريعة ربه جل جلاله ، وذلك حينما ينظر فيرى حصيلة الجهد الذي قدّم والعمر الذي بذل ، أصواتا ترتفع وتعج بتوحيد اللّه ، وجباها تعنو ساجدة لدين اللّه وقلوبا خفاقة تجيش بحب اللّه ، ألا ما أسعد حبيب اللّه إذ ذاك بذكرى ما لقبه من ظمأ الهواجر ، وشتات السفر في القفار ، وعذاب السخرية والإيذاء ، في سبيل هذا الإيمان الذي شاده فوق أرض اللّه ! . . فلتكتحل به عيناك يا سيدي سعادة وسرورا ، وليبارك لك ربك في وجيب قلبك اليوم حمدا ونشوة وحبورا . ولا واللّه ، ما كان ذلك شهادة تلك الآلاف المحتشدة من حولك فحسب ، يا سيدي رسول اللّه ، ولكنها شهادة المسلمين في كل جيل وعصر إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها تعلن بلسان حالها ومقالها : نشهد يا رسول اللّه أنك قد بلغت وأديت ونصحت ، فجزاك اللّه عنا خير ما جوزي نبي عن أمته . ولكن مسؤولية الدعوة قد انتقلت من بعدك إلى أعناقنا ، وما أبعدنا اليوم عن القيام بحقها . وما أشد خيبتنا بلقائك يا سيدي غدا ، وإن علينا أوزارا من التقاعس والتكاسل