محمد سعيد رمضان البوطي

367

فقه السيرة ( البوطي )

غيّبتها شريعة اللّه في باطن الأرض ، وأصبح مكانها من حياة المسلم اليوم تحت موطىء الأقدام ، إنه رجس ولّى ، وعماهة أدبرت ، وغاشية بادت . فمنذا الذي يرجع بعد ذلك لينبش التراب عن الجيفة المنتنة فيعانقها ؟ . . وأي عاقل يتقمم الأدران التي تخلص منها ليتمسح ثانية بها ؟ . . وأيّ أبيّ يعمد إلى القيد الذي كسره البارحة وألقاه ، ليصلحه ويعود فيتقيّد به اليوم ؟ . . أرجاس من تقاليد الجاهلية ، أبعدها الرسول صلى اللّه عليه وسلم عن منطلق الإنسانية وتقدمها الفكري والحضاري ، وأعلن أنها قد عادت حثالة مدفونة تحت قدميه ، كي يثبت للدنيا كلها ويسجل على مسمع القرون والأجيال ، أنه ما من تائه يزعم التقدم الفكري إذ يعمد فينبش شيئا من هذا الدفين القديم ، إلّا وهو يرجع القهقرى يسبح في أغوار قصية من التاريخ المظلم القديم ، وإن خيّل إليه وهمه أنه إنما يتقدم صعدا ويخطو مترقيا . وأما البند الثالث : فقد أعلن فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن تطابق الزمن إذ ذاك مع أسماء الأشهر المقسّم عليها ، وذلك بعد طول تلاعب بها من العرب في الجاهلية وصدر الإسلام ، فقد كانوا - كما قال مجاهد وغيره - يجعلون حجهم كل عامين في شهر معين من السنة ، فيحجون في ذي الحجة عامين ، ثم يحجون في المحرم عامين وهكذا ، فلما حج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذا العام ، وافق حجه في شهر ذي الحجة وأعلن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ ذاك أن الزمان قد استدار كهيأته يوم خلق اللّه السماوات والأرض ، أي فلا تتلاعبوا بالأشهر تقديما وتأخيرا ، ولا حج بعد اليوم إلا في هذا الزمن الذي استقر اسمه : ذا الحجة . وذكر بعضهم أن المشركين كانوا يحسبون السنة اثني عشر شهرا وخمسة عشر يوما ، فكان الحج في رمضان وفي شوال وذي القعدة . . وفي كل شهر من السنة ، وذلك بحكم استدارة الشهر بسبب زيادة الخمسة عشر يوما ، ولقد كان حج أبي بكر في السنة التاسعة من الهجرة واقعا في شهر ذي القعدة بسبب ذلك ، فلما كان العام المقبل ، - وفيه قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بحج الوداع - وافق حجّه ذا الحجة في العشر منه وطابق الأهلّة ، وأعلن حينئذ عليه الصلاة والسلام نسخ الحساب القديم للزمن وأن السنة إنما تعتبر بعد اليوم اثني عشر شهرا فقط ، فلا تداخل بعد اليوم ، قال القرطبي : وهذا القول أشبه بقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن الزمان استدار . . » أي إن زمان الحج عاد إلى وقته الأصلي الذي عينه اللّه يوم خلق السماوات والأرض ، بأصل المشروعية التي سبق بها علمه « 1 » .

--> ( 1 ) انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي : 8 / 137 و 138 .