محمد سعيد رمضان البوطي

366

فقه السيرة ( البوطي )

« أيها الناس اسمعوا قولي فإني لا أدري ، لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا . . . » . وأنصتت الدنيا لتسمع قوله ، وأنصت الحجر والقفر والمدر إلى الكلمة المودعة ينطق بها فم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد أن أنست وسعدت به الدنيا كلها ثلاثة وستين عاما ، ها هو اليوم يلمّح بالرحيل ، بعد أن قام بأمر ربه وغرس الأرض بغراس الإيمان ، وها هو الآن يلخص المبادئ التي جاء بها وجاهد في سبيلها في كلمات جامعة ، وبنود معدودة ، يلقي بها إلى سمع العالم . فماذا كان أول بند منها ؟ يا سبحان اللّه ما أجلّ وأروع ! . لكأنه صلى اللّه عليه وسلم إنما كان يستلهم توصياته تلك من واقع المنزلقات التي سينكب فيها أقوام من أمّته خلال الزمن تائهين وراء غيرهم ضائعين عن القبس الذي سيتركه بين أيديهم فلقد كان أول بند منها هو قوله : « أيها الناس ، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربّكم ، كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا » . ولقد كرر هذه التوصية نفسها مرة أخرى في خاتمة خطابه ، وأكد ضرورة الاهتمام بها وذلك عندما قال : « تعلمنّ أن كل مسلم أخ للمسلم وأن المسلمين إخوة ، فلا يحلّ لامرىء من أخيه إلّا ما أعطاه عن طيب نفس منه ، فلا تظلمنّ أنفسكم ، ألا هل بلغت ؟ » . ونحن نقول : أجل واللّه ، لقد بلغت يا سيدي . . ولعلنا اليوم أولى من ينبغي أن يجيبك : اللّهم لقد بلّغت ! . . وإن كنا في ذلك إنما نسجل مسؤولية على أعناقنا قصرنا كل التقصير في القيام بحقها . أما البند الثاني : فلم يكن مجرد توصية ، ولكنه قبل ذلك قرار أعلن عنه للملأ كله . . لأولئك الذين كانوا من حوله ، والأمم التي ستأتي من بعده . وهذه هي صيغة القرار : « ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية ، تحت قدميّ موضوع ! . . دماء الجاهلية موضوعة . . وربا الجاهلية موضوع » . . فما المعنى الذي تتضمنه صيغة هذا القرار ؟ . . إنه يقول : إن كل ما كانت الجاهلية تفخر وتتمسّك به من تقاليد العصبية والقبلية ، وفوارق اللغة والأنساب والعرق ، واستعباد الإنسان أخاه بأغلال الظلم والمراباة ، قد بطل أمره ومات اعتباره ، فهو اليوم جيفة منتنة