محمد سعيد رمضان البوطي
354
فقه السيرة ( البوطي )
عاقبة ذلك عليهم ، فأقبلوا إليه صلى اللّه عليه وسلم يحكّمونه فيما دون كل من الإسلام والمباهلة ، وينزلون عند حكمه في ذلك ، فصالحهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الجزية وكتب لهم بذلك كتابا ، والتزم فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لهم - أن يدفعوا الجزية المتفق عليها - أن لا تهدم لهم بيعة ، ولا يفتنوا عن دينهم ما لم يحدثوا حدثا - أي غدرا أو خيانة - أو يأكلوا الربا « 1 » . خبر إسلام عدي بن حاتم كان عدي بن حاتم نصرانيا ، وهو ابن حاتم الجواد المشهور ، وكان امرآ شريفا في قومه ، وكان يأخذ من قومه المرباع ، - وهو ربع ما يصلهم من غنائم الحروب ، كان العرب يجعلون ذلك للرئيس منهم - فلما سمع برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ودعوته ، كره دعوته ، وترك قومه ولحق بنصارى الشام . قال عديّ : فكرهت مكاني هناك أشد من كراهتي له - أي لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - فقلت : لو أتيته فإن كان ملكا أو كاذبا لم يخف عليّ ، وإن كان صادقا اتبعته . فخرجت حتى أقدم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة ، فدخلت عليه وهو في مسجده ، فسلّمت عليه ، فقال : « من الرجل ؟ » فقلت : عديّ بن حاتم ! . فقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فانطلق بي إلى بيته ، فواللّه إنه لعامد بي إليه - أي قاصد بي إلى الدار - إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته ، فوقف لها طويلا ، تكلمه في حاجتها ، فقلت في نفسي ، واللّه ما هذا بملك ! . ثم مضى بي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى إذا دخل بي بيته ، تناول وسادة من أدم محشوّة ليفا فقذفها إليّ فقال : « اجلس على هذه » ، قلت : بل أنت فاجلس عليها ، فقّال : « بل أنت » ، فجلست عليها ، وجلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الأرض . فقلت في نفسي : واللّه ما هذا بأمر ملك ، ثم قال : « إيه يا عديّ بن حاتم ، هل تعلم من إله سوى اللّه ؟ » قلت : لا ، ثم قال : « هل تعلم شيئا أكبر من اللّه ؟ » قلت : لا ، قال : « ألم تكن ركوسيا ؟ » - قوم لهم دين بين النصارى والصابئة - قلت : بلى ، قال : « أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع ؟ » قلت : بلى ، قال : « فإن ذلك لم يكن يحلّ في دينك » ، قلت : أجل واللّه .
--> ( 1 ) رواه الحاكم والبيهقي في دلائل النبوة بتفصيل مطول ، وروى خبر المصالحة على الجزية ، وأبو داود أيضا في كتاب الخراج ، باب أخذ الجزية ، وانظر قصة وفد نصارى نجران في تفسير ابن كثير : 1 / 368 ، 369 .