محمد سعيد رمضان البوطي
355
فقه السيرة ( البوطي )
ثم قال : « لعلك يا عديّ إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجة أهله ، فواللّه ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوّهم وقلة عددهم ، فو اللّه ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف ، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم ، وأيم اللّه ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم » ! . . قال : فأسلمت . قال عديّ : فرأيت اثنتين : الظعينة ، وكنت في أول خيل أغارت على كنوز كسرى ، وأحلف باللّه لتجيئن الثالثة « 1 » . العبر والعظات : كان قدوم عديّ بن حاتم إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وخبر إسلامه ، في الفترة التي قدم عليه فيها الوفود من كل جهة وصوب ونستطيع أن نعده في مجيئه هذا واحدا من تلك الوفود الكثيرة التي سعت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تعلن إسلامها . غير أنّا آثرنا إفراد عديّ بالتفصيل والتأمل ، لما فيه من العبر الهامة المتعلقة بأسس العقيدة الإسلامية ، ولما فيه من تحليل دقيق ، بل وتجسيد واضح لشخصية سيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، تلك الشخصية التي ظهرت جلية واضحة لعديّ بن حاتم ، مصفّاة عن شوائب الزعامة والملك وحب الإمارة أو الكبرياء والجاه ، لا يتراءى فيها سوى الإعلام بأنه رسول رب العالمين إلى الناس أجمعين ، فكانت أساس إيمانه وسرّ هدايته . فلنتأمل فيما تأمل فيه عدي . . ولنعتبر بما اعتبر به عديّ ، لنزداد إيمانا ويقينا بنبوة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ، ولنزداد يقينا بمعنى المكيدة التي تكمن خلف دراسات محترفي الغزو الفكري في العالم الإسلامي . . ولنقف قليلا أمام السمة التي صوّر بها عديّ شخصية النبي عليه الصلاة والسلام كما رآها فتأثر بها ، فكانت سرّ إيمانه . يقول عديّ : « فواللّه إنه لعامد بي إلى داره ، إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته ، فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها ، فقلت في نفسي : واللّه ما هذا بملك » . أجل فما أبعد الطامع بالملك أو المؤمل في الزعامة والمجد الدنيوي ، عن الصبر على مثل هذه الوقفة ، ولئن صابر نفسه فتصنع لذلك وقسرها على ما تكره ، فما أسرع ما
--> ( 1 ) رواه ابن إسحاق ، والإمام أحمد ، والبغوي في معجمه بألفاظ متقاربة ، وانظر الإصابة للحافظ ابن حجر : 2 / 461 ، وترتيب مسند الإمام أحمد : 21 / 108 .