محمد سعيد رمضان البوطي
353
فقه السيرة ( البوطي )
تعالى ولقد أصبح خلال الفترة التي أقامها في المدينة مع أصحابه ، أعلمهم بكتاب اللّه وأفقههم في الإسلام ، والإمارة والولاية ليس كل منهما إلا مسؤولية دينية يراد منها إقامة الحكم والمجتمع الإسلامي فلا بد من توفر هذا الشرط فيهما . رابعا : ( وجوب هدم الأوثان والتماثيل ) وليس من شرط وجوب ذلك أن يكون هناك من يعبدها أو يقدسها ، بل الحكم في ذلك عام وشامل لكل حالة ، لعموم الدليل هنا ، ولدليل أمره صلى اللّه عليه وسلم بتحطيم تلك التماثيل التي استخرجت من جوف الكعبة ، مع أنها لم تكن تعبد كتلك الأصنام الأخرى ، وهذا يدل على ما كنا قد ذكرناه من حرمة صنع التماثيل على اختلاف أنواعها وأشكالها ، وعلى حرمة اقتنائها مهما كانت أسباب ذلك « 1 » . هذا : ولنكتف بهذا الذي ذكرناه من خبر وفد ثقيف ، عن تفصيل ذكر أخبار الوفود الكثيرة الأخرى ، التي قدمت خلاف هذا العام إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لعدم تعلق غرض كبير في هذا المقام بذلك . غير أن مما ينبغي أن تعلمه ، أن هذه الوفود كانت في مجموعها تمثل فئتين : إحداهما فئة المشركين ، والثانية فئة أهل الكتاب . فأما المشركون ، فقد دخل عامتهم في الإسلام ، وما رجعت وفودهم إلا وهي تحمل مشعل الإيمان والتوحيد إلى قومها ، وأما أهل الكتاب فقد بقي أكثرهم على ما هم عليه ، من اليهودية أو النصرانية . ولقد كان الوفد الذي جاء يمثل نصارى نجران مؤلفا من ستين رجلا ، وقد لبثوا عنده صلى اللّه عليه وسلم أياما يجادلهم ويجادلونه في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام ووحدانية اللّه تعالى . وكان آخر ما عنده صلى اللّه عليه وسلم لهم أن تلا عليهم قوله تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 59 ) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 60 ) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ( 61 ) [ آل عمران : 59 - 61 ] . فلما أبوا أن يقروا ، دعاهم إلى المباهلة « 2 » كما أمره اللّه بذلك ، وذهب عليه الصلاة والسلام فأقبل مشتملا على الحسن والحسين رضي اللّه عنهما في خميل له ، وفاطمة رضي اللّه عنها تمشي خلفه ، للمباهلة . فأبى رئيس وفدهم ، وهو شر حبيل بن وداعة ، المباهلة أيضا ، وحذر أصحابه من
--> ( 1 ) سيأتي . ( 2 ) المباهلة : أي الدعوة إلى أن يبتهل كل طرف إلى اللّه أن يجعل لعنته على الطرف الكاذب .