محمد سعيد رمضان البوطي

323

فقه السيرة ( البوطي )

قتيلا فله سلبه ، قال ابن سيد الناس : فصار ذلك حكما مستمرا . قلت : وهذا متفق عليه ، ولكن وقع الخلاف بين الأئمة في نوع هذا الحكم الثابت المستمر ، أهو من أحكام الإمامة أم الفتوى ؟ . أي هل أعلن الرسول عليه الصلاة والسلام ذلك مبلغا عن اللّه عز وجل حكما لا خيرة له ولا لأحد فيه كتبليغه أحكام الصلاة والصيام أم أعلنه حكما مصلحيا قضى به بوصف كونه إمام المسلمين يقضي فيهم بما يرى أنه الخير والمصلحة لهم ؟ . فذهب الشافعي رحمه اللّه إلى أنه حكم قائم على أساس التبليغ والفتوى ، وعليه : فإن المجاهد له في كل عصر أن يأخذ سلب من قتل على يده من أهل الحرب ولا حاجة في ذلك إلى إذن الإمام أو القائد . وذهب أبو حنيفة ومالك رحمهما اللّه إلى أنه حكم قضائي قائم على أساس الإمامة فقط ، فيتوقف جواز أخذ السلب في كل عصر على إذن إمامه ، فإن لم يأذن ، أضيفت الأسلاب إلى الغنائم وسرى عليها حكمها « 1 » . سابعا : ( الجهاد لا يعني الحقد على الكافرين ) وقد دل على ذلك ما ذكرناه من أن بعض الصحابة قالوا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند منصرفهم من حصار الطائف : ادع اللّه على ثقيف ، فقال : « اللهم اهد ثقيفا وأت بهم » ، وهذا يعني أن الجهاد ليس إلا ممارسة لوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإنما هي مسؤولية الناس كلهم بعضهم تجاه بعض ، لمحاولة إعتاق أنفسهم من العذاب الأبدي يوم القيامة . ومن ثم فإن الدعاء من المسلمين لا ينبغي أن يتجه إلى غيرهم إلا بالهداية والإصلاح ، لأن هذه الغاية هي الحكمة من مشروعية الجهاد . ثامنا : ( متى يتملك الجند الغنائم ) ؟ ذكرنا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لوفد هوازن حينما جاؤوه مسلمين : « لقد استأنيت بكم » - أي أخرت قسم الغنائم آملا في إسلامكم - . وهذا يدلّ على أن الجند إنما يملكون الغنائم بعد تقسيم الحاكم أو الإمام لها ، فمهما دامت قبل القسمة فهي لا تعتبر ملكا للمقاتلين ، وتلك هي فائدة تأخير النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لتقسيمها بين المسلمين . كما أن هذا يدل أيضا على أن للإمام أن يعيد الغنائم إلى أصحابها إذا جاؤوه مسلمين إذا لم يكن قد قسمها بين الجند ، وقد كان هذا ما يفضله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .

--> ( 1 ) انظر الأحكام السلطانية : 139 ، والأحكام للقرافي : 38 .