محمد سعيد رمضان البوطي
324
فقه السيرة ( البوطي )
ويدل موقفه صلى اللّه عليه وسلم من وفد هوازن وأموالهم التي غنمها المسلمون ، على أن ما قسم من هذه الأموال بينهم ، لا يجوز للإمام أن يسترد شيئا منه إلا بطيب نفس من صاحبه دون أن يتأثر بأي جبر أو إكراه . وتأمل في مدى دقته صلى اللّه عليه وسلم في أمر هذا الاستئذان من أصحاب الأموال فإنه عليه الصلاة والسلام لم يشأ أن يكتفي بصيحاتهم الجماعية المرتفعة : قد طيبنا ذلك يا رسول اللّه - أي طابت بإرجاعه نفوسنا - بل أصرّ على أن يعلم أمر هذا الرضى ويستوثق منه بواسطة السماع من كل شخص على حدة أو السماع من وكلائهم وعرفائهم . وهذا يعني أنه ليس للحاكم أن يستعمل شيئا من صلاحياته وسلطانه في حمل الناس على أن يتنازلوا عن شيء من حقوقهم وممتلكاتهم المشروعة ، بل وإن الشارع لم يعطه شيئا من هذه الصلاحيات والامتيازات ، حتى ولو كان رسولا . وتلك هي العدالة والمساواة الحقيقية الرائعة ! . . فلتدفن نفسها في الرغام كل دعوى باطلة تريد أن تخب - بالألفاظ والشعارات - وراء هذه المثل والقيم الإلهية العظيمة . تاسعا : ( سياسة الإسلام نحو المؤلفة قلوبهم ) : لقد رأيت أن النبي اختص أهل مكة الذين أسلموا عام الفتح بمزيد من الغنائم عن غيرهم ، ولم يراع في تلك القسمة قاعدة المساواة الأصلية بين المقاتلين ، وهذا العمل منه صلى اللّه عليه وسلم من أهم الأدلة التي استدل بها عامة الأئمة والفقهاء على أنه يجوز للإمام أن يزيد في عطاء من يتألف قلوبهم على الإسلام بالقدر الذي تدعو إليه مصلحة تألف قلوبهم ، بل يجب عليه ذلك عندما تدعو إليه ، ولا مانع من أن يكون هذا العطاء من أصل الغنائم . ومن هنا كان لهؤلاء الناس سهم خاص باسمهم في الزكاة ، يجتمع تحت يد الحاكم ليعطي منه كلما دعت الحاجة ، لمن يرى أن المصلحة الإسلامية تدعو إلى تألف قلوبهم . عاشرا : ( فضل الأنصار ومدى محبة الرسول صلى اللّه عليه وسلم لهم ) : صدق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ قال : « إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم » ، فقد أراد الشيطان أن يبث في نفوس جماعة من الأنصار معنى النقد على السياسة التي اتبعها عليه الصلاة والسلام في توزيع الغنائم ، وربما أراد لهم الشيطان أن يتصوروا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد أدركته محبة قومه وبني وطنه فنسي في جنبهم الأنصار ! . . فماذا قال لهم النبي عليه الصلاة والسلام لما أخبر بذلك ؟