محمد سعيد رمضان البوطي

320

فقه السيرة ( البوطي )

ولكن بهؤلاء المائتين عاد النصر إلى المسلمين ، ونزلت السكينة على قلوبهم ، هزم اللّه عدوهم شر هزيمة ، بعد أن كانوا اثني عشر ألفا فيهم كثير من الأمشاج الذين لم يغنوا عن أنفسهم شيئا ! . . وأنزل اللّه تعالى هذه العظة البليغة في كتابه الكريم : . . . وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ( 26 ) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ التوبة : 25 - 27 ] . وإليك الآن ما يؤخذ من هذه الغزوة من العظات والأحكام : أولا : ( بث العيون بين الأعداء لمعرفة شأنهم وأخبارهم ) سبق أن ذكرنا أن هذا عمل جائز ، بل هو واجب إن دعت إليه الحاجة ، وهذا ما قام به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في هذه الغزوة ، فقد بعث عبد اللّه بن أبي حدرد الأسلمي ليتحسس أخبار العدو ويأتي المسلمين بالخبر عن عددهم وعدّتهم ، وهو ما لم يقع فيه خلاف بين الأئمة . ثانيا : ( للإمام أن يستعير أسلحة من المشركين لقتال أعداء المسلمين ) ومثل الأسلحة في ذلك ما يحتاجه الجيش من عدة الحرب والقتال ، ومثل الاستعارة تملكها منهم مجانا أو بثمن ، وهذا ما فعله رسول اللّه في هذه الغزوة ، حينما استعار أسلحة من صفوان بن أمية وكان لا يزال مشركا إذ ذاك . وهذا داخل في عموم حكم الاستعانة بالكفار عند الحرب ، وكنا قد ذكرنا هذه المسألة عند تعليقنا على غزوة أحد ، ويتبين لك الآن أن الاستعانة بالكفار تنقسم إلى نوعين : النوع الأول : الاستعانة بأشخاص منهم للقتال مع المسلمين ، وهذا ما مضى الحديث عنه في غزوة أحد ، وقد قلنا إذ ذاك إنه جائز إذا دعت الحاجة إليه ، واطمأن المسلمون إلى صدق وأمانة أولئك الذين سيقاتلون معهم . النوع الثاني : الاستعانة ببعض ممتلكاتهم كالسلاح وأنواع العدّة ، ولا خلاف في أن ذلك جائز بشرط أن لا يكون فيه خدش لكرامة المسلمين ، وأن لا يتسبب عن ذلك دخول المسلمين تحت سلطان غيرهم أو تركهم لبعض واجباتهم وفروضهم الدينية . وأنت تجد