محمد سعيد رمضان البوطي

319

فقه السيرة ( البوطي )

وأدركه أعرابي فجذبه صلى اللّه عليه وسلم جذبة شديدة من برده ، وكان عليه برد نجراني غليظ ، حتى أثرت حاشية الرداء في صفحة عنقه ، وقال له ، مر لي من مال اللّه الذي عندك ، فالتفت إليه فضحك ، ثم أمر له بعطاء « 1 » . قال ابن إسحاق : ثم خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الجعرانة معتمرا ، فلما فرغ ، انصرف راجعا إلى المدينة ، واستخلف على مكة عتاب بن أسيد . العبر والعظات : تعتبر غزوة حنين هذه درسا في العقيدة الإسلامية وقانون الأسباب والمسببات من نوع ذلك الدرس الذي أوحت به غزوة بدر ، بل متمما له . فإذا كانت وقعة بدر قد قررت للمسلمين أن القلة لا تضرهم شيئا في جنب كثرة أعدائهم ، إذا كانوا صابرين ومتقين ، فإن غزوة حنين قد قررت للمسلمين أن الكثرة أيضا لا تفيدهم إذا لم يكونوا صابرين ومتقين ، وكما نزلت آيات من كتاب اللّه تعالى في تقرير عبرة « بدر » ، فقد نزلت آيات منه أيضا في تقرير العبرة التي ينبغي أن تؤخذ من « حنين » . كان المسلمون في بدر أقل عددا منهم في أي موقعة أخرى ومع ذلك فلم تضرهم القلة شيئا بسبب صدق إسلامهم ونضج إيمانهم وشدة ولائهم للّه ولرسوله . وكان المسلمون في حنين أكثر عددا منهم في أي موقعة أخرى خاضوها من قبل ، ومع ذلك فلم تنفعهم الكثرة شيئا ، بسبب تلك الجماهير التي لم يتمكن الإيمان بعد في نفوسها ، ولم يتغلغل معنى الإسلام بعد في أعماق أفئدتها . لقد انضمت تلك الجماهير إلى الجيش بجسومهم وأشكالهم ، بينما لا تزال الدنيا وأهواؤها تتخطف أفئدتهم وتستولي على نفوسهم ، وهيهات أن يكون لتعداد الجسوم والأشكال أي أثر في النصر والتوفيق . فمن أجل ذلك أدبرت هذه الجماهير وارتدت على أعقابها متفرقة في متاهات وادي حنين ، حينما فوجئوا بكمائن العدو تخرج في وجوههم ، وربما امتدت ظلال هذا الهلع إلى أفئدة كثيرة من المؤمنين الصادقين أيضا بادىء الأمر . ولكن ما هو إلا أن سمع الأنصار والمهاجرون صيحات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ونداءه لهم حتى كرّوا عائدين ، يلتفون حول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ويخوضون معه معركة حامية الوطيس ، ولم يكن هؤلاء يزيدون على المائتين ! . .

--> ( 1 ) متفق عليه .