محمد سعيد رمضان البوطي
318
فقه السيرة ( البوطي )
وخصّ النبي صلى اللّه عليه وسلم المؤلفة قلوبهم - وهم أهل مكة - بمزيد من الغنائم والأعطيات يتألف قلوبهم على الإسلام ، فوجد بعض الأنصار في نفوسهم من ذلك وقالوا : يغفر اللّه لرسول اللّه ، يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم « 1 » . فبلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأرسل إلى الأنصار فاجتمعوا في مكان أعد لهم ، ولم يدع معهم أحدا غيرهم ، ثم قام فيهم ، فحمد اللّه وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال : « يا معشر الأنصار ، ما قالة بلغتني عنكم ؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم اللّه بي ، وكنتم متفرقين فألفكم اللّه بي ، وكنتم عالة فأغناكم اللّه بي » . - كلما قال لهم من ذلك شيئا قالوا بلى ، اللّه ورسوله أمن وأفضل - ثم قال : « ألا تجيبوني يا معشر الأنصار ؟ » قالوا : بماذا نجيبك يا رسول اللّه ؟ للّه ولرسوله المن والفضل . فقال صلى اللّه عليه وسلم : « أما واللّه لو شئتم لقلتم ، فلصدقتم ولصدّقتم : أتيتنا مكذّبا فصدقناك ، ومخذولا فنصرناك ، وطريدا فآويناك ، وعائلا فآسيناك » ، فصاحوا : بل المن علينا للّه ورسوله . ثم تابع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قائلا : « أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم من أجل لعاعة « 2 » من الدنيا تألّفت بها قوما ليسلموا ووكلتهم إلى إسلامكم ! ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول اللّه إلى رحالكم ؟ فواللّه لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به ، والذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرآ من الأنصار ، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا ، لسلكت شعب الأنصار ، وإنكم ستلقون أثره من بعدي فاصبروا حتى تلقوني على الحوض ، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار » . فبكى القوم حتى اخضلت لحاهم ، وقالوا : رضينا باللّه ورسوله قسما ونصيبا « 3 » . وتبعه صلى اللّه عليه وسلم ناس من الأعراب يسألونه مزيدا من العطاء ، حتى اضطروه إلى سمرة تعلق بها رداؤه ، فالتفت إليهم قائلا : « أعطوني ردائي أيها الناس ، فو اللّه أن لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم ، ثم لا تجدونني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا « 4 » ، أيها الناس واللّه ما لي من فيئكم إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم » « 5 » .
--> ( 1 ) متفق عليه . ( 2 ) اللعاعة : بقلة خضراء تستهوي العين ، شبّه بها الدنيا . ( 3 ) رواه البخاري ومسلم ، وابن إسحاق ، وابن سعد ، بنصوص متقاربة في الزيادة والنقصان . ( 4 ) رواه البخاري . ( 5 ) هذه الزيادة أخرجها أبو داود والنسائي عن عبد اللّه بن عمرو .