محمد سعيد رمضان البوطي
314
فقه السيرة ( البوطي )
- مكان بين مكة والطائف - ، وإنما أمرهم بذلك حتى يجد كل منهم ما يحبسه عن الفرار ، وهو الدفاع عن الأهل والمال والولد ! . . وأجمعوا المسير إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فخرج إليهم صلى اللّه عليه وسلم لست ليال خلون من شوال « 1 » في اثني عشر ألف من المسلمين ، عشرة آلاف من أهل المدينة ، وألفين من أهل مكة « 2 » . وبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عبد اللّه بن أبي حدرد الأسلمي ليذهب فيدخل بين المشركين ويقيم فيهم ويعلم أخبارهم ثم يعود بذلك إليه صلى اللّه عليه وسلم . فانطلق حتى دخل بينهم وطاف بمعسكرهم ثم جاءه بخبرهم . وكان قد ذكر لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن عند صفوان بن أمية أدراعا وأسلحة ، فأرسل إليه - وهو يومئذ مشرك - فطلب منه تلك الدروع والأسلحة . فقال صفوان : أغصبا يا محمد ؟ ! . . قال : « بل عارية ، وهي مضمونة حتى نؤديها إليك » ، فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح « 3 » . وعلم مالك بن عوف بمقدم الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فعبأ أصحابه في وادي حنين وانتثروا يكمنون في أنحائه ، وأوعز إليهم أن يحملوا على محمد صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، حملة واحدة . ووصل المسلمون إلى وادي حنين ، فانحدروا فيه في غبش الصبح ، فما راعهم إلا الكتائب خرجت إليهم من مضايق الوادي وشعبه وقد حملوا حملة واحدة على المسلمين ، فانكشفت الخيول وانشمر الناس راجعين لا يلوي أحد منهم على آخر . وانحاز رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذات اليمين ، ثم نادى في الناس : « إليّ يا عباد اللّه ، أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب » ، روى مسلم عن العباس رضي اللّه عنه قال : شهدت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم حنين ، فلزمته أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ولم نفارقه ، وهو على بغلة له بيضاء ، فلما التقى المسلمون والكفار ولّى المسلمون مدبرين ، فطفق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار ، قال العباس : وأنا آخذ بلجام بغلة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أكفّها ، إرادة أن لا تسرع ، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال عليه الصلاة والسلام : « ناد أصحاب السمرة « 4 » » - وكان رجلا صيّتا - فقلت بأعلى صوتي : يا أصحاب السمرة ، قال : فواللّه لكأنّ عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر
--> ( 1 ) طبقات ابن سعد : 4 / 200 . ( 2 ) طبقات ابن سعد : 4 / 300 ، وسيرة ابن هشام . ( 3 ) رواه ابن إسحاق بسند صحيح ، ورواه عن طريقه ابن جرير وابن سيد الناس . ( 4 ) هي الشجرة التي كانت عندها بيعة الرضوان عام الحديبية .