محمد سعيد رمضان البوطي

313

فقه السيرة ( البوطي )

ثالثا : دلت أحاديث البيعة التي ذكرناها على أن كلام الأجنبية يباح سماعه لدى الحاجة ، وأن صوتها ليس بعورة ، وهو مذهب جمهور الفقهاء ومنهم الشافعية ، وذهب بعض الحنفية إلى أن صوتها عورة للأجنبي ، وهم محجوبون في ذلك بما صح من أحاديث بيعته صلى اللّه عليه وسلم للنساء ، وأحاديث كثيرة أخرى . تاسعا : هل فتحت مكة عنوة أم صلحا ؟ اختلف العلماء في ذلك ، فذهب الشافعي وأحمد رضي اللّه عنهما وآخرون إلى أنه دخلها صلحا ، وكان الممثل لقريش في هذا الصلح هو أبو سفيان ، وكان الاتفاق والشرط فيه على أنه : من أغلق بابه فهو آمن ، ومن أسلم فهو آمن ، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، إلا ستة أنفس هدر دمهم . وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنه دخلها عنوة ، واستدلوا على ذلك بالطريقة التي دخل بها المسلمون مكة ، وبما كانوا يحملونه من السلاح وعدة الحرب . واتفق الكل على أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يغنم منها ما لا ولم يسب فيها ذرية ، فأما من ذهب إلى أنها فتحت صلحا فسبب ذلك واضح ، وأما من ذهب إلى أنها فتحت عنوة فقد قالوا : إن الذي منع الرسول صلى اللّه عليه وسلم من قسمتها شيء آخر تمتاز به مكة عن بقية البلاد ، فإنها دار النسك ومتعبّد الحق وحرم الرب تعالى ، فكأنه وقف من اللّه تعالى على العالمين ، ولهذا ذهب بعض العلماء ومنهم أبو حنيفة إلى منع بيع أراضي ودور مكة المكرمة « 1 » . هذه خلاصة عن بعض الأحكام والعبر التي تؤخذ من أحداث الفتح الكبير لمكة المكرمة ، وحسبنا هذا القدر من ذلك ، واللّه أعلم . غزوة حنين وقد كانت في شوال سنة ثمان من هجرة النبي صلى اللّه عليه وسلم . وسببها ؛ أن اللّه جل جلاله ، حينما فتح على رسوله مكة ، ودانت له قريش بعد بغيها وعدوانها ، مشت أشراف هوازن وثقيف بعضها إلى بعض ، وقد توغر صدورهم للنصر الذي آتاه اللّه رسوله والمؤمنين ، فحشدوا حشودا كبيرة ، وجمع أمرهم مالك بن عوف سيّد هوازن ، وأمرهم فجاؤوا معهم بأموالهم ونسائهم وأبنائهم ، حتى نزلوا بأوطاس

--> ( 1 ) راجع الأحكام السلطانية : 164 ، وزاد المعاد لابن القيم : 2 / 174 .