محمد سعيد رمضان البوطي
304
فقه السيرة ( البوطي )
القيام بأمر ربه ، ونظر إلى نتيجة كل ما قد كان لقيه من العذاب من قومه ، وكيف أن اللّه أعاده إلى البلدة التي أخرجته عزيزا منصورا مكرما ! . . إنها الساعة التي ينبغي أن تمتلئ بشكر اللّه تعالى وحده ، وينبغي أن يفيض الزمن كله فيها بمعنى العبودية التامة للّه تعالى . وهكذا يجب أن تكون حال المسلمين دائما : عبودية مطلقة للّه في السراء والضراء ، في الرخاء والشدة ، عند الضعف والقوة ، وليس من شأن المسلمين إطلاقا ، أن يتظاهروا بالذل للّه تعالى كلما حاقت بهم مصيبة أو كرب ، حتى إذا انكشف الكرب وزال الضر ، أسكرتهم الفرحة بل أسكرهم الطغيان عن كل شيء ، ومرّوا من جنب أوامر اللّه تعالى وأحكامه ساهين لاهين ، كأن لم يدعوه ويتذللوا له في كشف ضر مسّهم ! . . 2 - يدلنا أيضا هذا الذي رواه البخاري ، على مشروعية الترنم والتغني بقراءة القرآن ، وهو المعنى الذي عبّر عنه عبد اللّه بن المغفل بالترجيع ، وهو الحق الذي عليه عامة العلماء من الشافعية والحنفية وكثير من المالكية وغيرهم . ولقد حمل هؤلاء الأئمة ما روي عن كثير من الصحابة أو التابعين مما يدل على النهي عن التطريب والتغني في تلاوة القرآن ، على التطريب الذي يطغى على سلامة الأداء ويذهب بالحروف والكلمات عن مخارجها العربية الصحيحة ، إذ إن مثل هذه التلاوة غير جائزة باتفاق . 3 - لقد كان من التدبير الحكيم لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ما أمر أصحابه من أن يتفرقوا في مداخل مكة ، فلا يدخلوها من طريق ومدخل واحد ، وذلك بغية تفويت فرصة القتال على أهل مكة إن أرادوا ذلك إذ يضطرون إلى تشتيت جماعاتهم وتبديد قواهم في جهات مكة وأطرافها فتضعف لديهم أسباب المقاومة ومغرياتها . وإنما فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذلك ، حقنا للدماء ما أمكن ، حفظا لمعنى السلامة والأمن من البلد الحرام ، ومن أجل هذا أمر المسلمين أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم ، وأعلن أن من دخل داره وأغلق بابه فهو آمن . خامسا : ما اختص به الحرم المكي من الأحكام : 1 - حرمة القتال فيه : لقد رأينا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم نهى أصحابه عن قتال أحد ، إلا أن يبدأ أناس المسلمين بالقتال ، وإلا ستة أنفار أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقتلهم أينما وجدوا . ولقد رأينا أنه صلى اللّه عليه وسلم أنكر على خالد بن الوليد قتاله لبعض أهل مكة حينما رأى بارقة