محمد سعيد رمضان البوطي

305

فقه السيرة ( البوطي )

السيوف على بعد ، فقيل له : أنه قوتل فقاتل فقال : « قضاء اللّه خير » ، ولم يقع فيما عدا ذلك قتال ما في مكة . كما رأينا أنه صلى اللّه عليه وسلم قال فيما خطب به الناس يوم الفتح : « إن مكة حرّمها اللّه ، ولم يحرمها الناس ، لا يحل لامرىء يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرا ، فإن أحد ترخص في قتال فيها فقولوا : إن اللّه أذن لرسوله ولم يأذن لكم ، وإنما أذن له ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس » . وقد أخذ عامة العلماء من هذا أنه لا يجوز القتال في مكة وما يتبعها من الحرم ، وهو صريح أمر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في خطبة يوم الفتح . ولكنهم بحثوا بعد هذا ، في كيفية تطبيق هذا الأمر ، وسبيل التوفيق بينه وبين النصوص التي تأمر بقتال المشركين والبغاة وقتل من ثبت عليهم القصاص . فقالوا : أما المشركون والملحدون فلا يتصور أن تقع المشكلة بالنسبة لقتالهم ، فقد ثبت شرعا أنه لا يجوز تمكين أحد يدين بغير الإسلام من الاستيطان بمكة ، باتفاق الأئمة ، بل ومن مجرد الدخول إليها عند الشافعية وكثير من المجتهدين ، وذلك لقوله تعالى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [ التوبة : 28 ] . وعلى من فيها أن يقاتلوا هؤلاء قبل وصولهم إليها والدخول فيها ، هذا إلى أن اللّه سبحانه وتعالى قد تكفل بحفظ حرمه من أن يدنس بإقامة أي كافر أو مشرك فيه ، وذلك مظهر من مظاهر إعجاز هذا الدين يتجلى في صدق الوعد الذي جاء في كتابه وعلى لسان نبيه . وأما البغاة : وهم الذين يعلنون البغي على الإمام الصالح ، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنهم يقاتلون على بغيهم إذا لم يمكن ردّهم عن بغيهم إلا بالقتال ، لأن قتال البغاة من حقوق اللّه تعالى التي لا يجوز إضاعتها ، فحفظها أولى في الحرم من إضاعتها ، قال النووي : وهذا الذي نقل عن الجمهور هو الصواب وقد نص عليه الشافعي في كتاب اختلاف الحديث . قال الشافعي : ويجاب عما يقتضيه ظاهر الأحاديث من منع القتال مطلقا - أي حتى للبغاة - بأن القتال المقصود بالتحريم إنما هو نصب القتال عليهم وقتالهم بما يعمم كالمنجنيق وغيره ، إذا أمكن إصلاح الحال بدون ذلك ، وأما إذا تحصن الكفار في بلد آخر فإنه يجوز قتالهم حينئذ على كل وجه وبكل شكل . وذهب بعض الفقهاء إلى أنه يحرم قتال البغاة بل يضيّق عليهم في كل الوجوه حتى