محمد سعيد رمضان البوطي
303
فقه السيرة ( البوطي )
أصبحت قوة الإسلام ، وإلام انقلبت حال أولئك الذين هاجروا من مكة قلة مشتتين مستضعفين ! . . وحتى تكون هذه العبرة البالغة أول مثبت لدينه ومؤكد لعقيدته . وأخذ أبو سفيان يتأمل الكتائب التي تمر ، واحدة إثر أخرى ، وهو في دهشة وذهول مما يرى ! . . والتفت يقول للعباس ، وهو لا يزال تحت تأثير بقايا من الفكر الجاهلي وأوهامه : لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما ! . . فأيقظه العباس من بقايا غفلته السابقة قائلا : يا أبا سفيان إنها النبوة . أيّ ملك هذا الذي تقول ؟ . . لقد ألقى الملك والمال والجاه تحت قدميه يوم أن عرضتم كل ذلك عليه في مكة ، وهو يعاني من تعذيبكم وإيذائكم له ، وهل ألجأتموه إلى الهجرة من بلده إلا لأنه رفض أن يستبدل الملك الذي عرضتموه عليه بالنبوة التي كان يدعوكم إلى الإيمان بها ؟ . إنها النبوة ! . . تلك هي الكلمة التي أدارتها الحكمة الإلهية على لسان العباس ، حتى تصبح الردّ الباقي إلى يوم القيامة على كل من يتوهم أن يوهم أن دعوة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إنما كانت ابتغاء ملك أو زعامة ، أو إحياء قومية أو عصبية وهي كلمة جاءت عنوانا لحياة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من أولها إلى آخرها ، فقد كانت ساعات عمره ومراحله كلها دليلا ناطقا على أنه إنما بعث لتبليغ رسالة اللّه إلى الناس ، لا لإشادة ملك لنفسه في الأرض . رابعا : تأملات في كيفية دخوله صلى اللّه عليه وسلم إلى مكة : 1 - لقد رأينا فيما يرويه البخاري عن عبد اللّه بن المغفل أنه صلى اللّه عليه وسلم كان وهو على مشارف مكة يقرأ سورة الفتح ، يرجّع في تلاوته لها ، والترجيع كيفية معينة في القراءة يترنم بها القارئ ، وهذا يدل - كما نرى - أنه صلى اللّه عليه وسلم كان مستغرقا في حالة شهود مع اللّه تعالى أثناء دخوله مكة ، فما كانت لنشوة الظفر والنصر العظيم إلى نفسه من سبيل ولم يكن شيء من التعاظم أو التجبر ليستولي على شيء من مشاعره ، إنما هو الانسجام التام مع شهود اللّه تعالى والشكر على نصره وتأييده . ويزيد في تصوير هذا المعنى ما رواه ابن إسحاق من أنه صلى اللّه عليه وسلم لما وصل إلى ذي طوى كان يضع رأسه تواضعا للّه ، حين رأى ما أكرمه اللّه به من الفتح ، حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل . وهذا يعني أنه صلى اللّه عليه وسلم كان مندمجا في حالة من العبودية التامة للّه تعالى إذ رأى ثمرة