محمد سعيد رمضان البوطي
298
فقه السيرة ( البوطي )
أولا : ما يتعلق بالهدنة ونقضها : 1 - يدلنا سبب فتح مكة على أن أهل العهد والهدنة مع المسلمين ، إذا حاربوا من هم في ذمة المسلمين وجواره ، صاروا حربا لهم بذلك ، ولم يبق بينهم وبين المسلمين من عهد ، وهذا ما اتفق عليه علماء المسلمين . 2 - تدلنا الطريقة التي قصد بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكة ، على أنه يجوز لإمام المسلمين ورئيسهم أن يفاجئ العدو بالإغارة والحرب لدى خيانته العهد ونبذه له ، ولا يجبر عليه أن يعلمهم بذلك ، فقد رأيت أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لما أجمع الخروج إلى مكة دعا قائلا : « اللهم خذ على أبصار قريش فلا يروني إلا بغتة » ، وهذا ما اتفق عليه عامة العلماء . أما إذا لم تقع الخيانة ، وإنما خيف منهم ذلك ، بسبب علائم ودلائل قوية ، فلا يجوز حينئذ للإمام أن ينبذ عهدهم ويفاجئهم بالحرب والقتال ، بل لا بد من إعلامهم جميعا بذلك أولا ، بدليل قوله تعالى : وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ ( 58 ) [ الأنفال : 58 ] أي أعلمهم كلهم عن نبذك لعهدهم . 3 - وفي عمله صلى اللّه عليه وسلم أيضا دليل على أن مباشرة البعض لنقض العهد ، بمثابة مباشرة الجميع لذلك ، ما لم يبد الآخرون استنكارا حقيقيا له ، فالنبي صلى اللّه عليه وسلم اكتفى بسكوت عامة قريش وإقرارهم لما بدر من بعضهم من الإغارة على حلفاء المسلمين ، دليلا على أنهم قد دخلوا بذلك معهم في خيانة العهد ، وهذا لأنه لما دخلت عامة قريش في أمر الهدنة تبعا لكبارهم وممثليهم ، اقتضى الأمر أن يخرج أيضا هؤلاء العامة عن الهدنة ، تبعا لما قام به كبارهم وزعمائهم وممثلوهم . وقد قتل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جميع مقاتلة بني قريظة دون أن يسأل كلا منهم هل نقض العهد أم لا ؟ ، وكذلك فعل ببني النضير فقد أجلاهم كلهم بسبب خيانتهم للعهد الذي بينهم وبين المسلمين ، وإنما كان الذين باشروا الخيانة بضعة أشخاص منهم فقط . ثانيا : حاطب بن أبي بلتعة وما يتعلق بعمله : 1 - إننا نجد أنفسنا أمام مظهر جديد آخر لنبوته صلى اللّه عليه وسلم ، وما كان يؤيّد به من الوحي من قبل ربه جل جلاله ، لقد قال لبعض أصحابه : « اذهبوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها » ، فمن الذي أخبره بأمر هذا الكتاب وأطلعه على ما دار بين الظعينة وحاطب بن أبي بلتعة في شأنه ؟ إنه الوحي . . وإذا فهي النبوة ، وهي التأييد من اللّه تعالى لنبيه حتى يتم المخطط الإلهي للفتح العظيم الذي أكرم اللّه به نبيه والمسلمين .