محمد سعيد رمضان البوطي

299

فقه السيرة ( البوطي )

2 - هل يجوز تعذيب المتهم بمختلف الوسائل ، حملا له على الاعتراف ؟ لقد استدل بعضهم بما قاله علي رضي اللّه عنه لتلك المرأة : لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب ، استدلوا بذلك على أنه يجوز للإمام أو نائبه أن يسلك من الوسائل ما يراه كفيلا بكشف الجريمة وإظهارها ، كما استدلوا على ذلك بما روي من أن اليهود غيبوا أموالا في غزوة خيبر لحييّ بن أخطب فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعمه : « ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير ؟ » - المسك : وعاء من جلد - فقال : أذهبته النفقات والحروب ، فقال : « العهد قريب والمال أكثر من ذلك » ، فدفعه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الزبير فمسه بعذاب ، فقال لهم : قد رأيت حيي يطوف بخربة هنا ، فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة . وبعض الباحثين اليوم ، يسندون مثل هذا الرأي إلى الإمام مالك رضي اللّه عنه . والحق الذي عليه كل الأئمة الأربعة وجمهور الباحثين والعلماء ، أنه لا يجوز تعذيب المتهم الذي لم تثبت عليه الجريمة ببينة شرعية كافية ، حملا له على الإقرار ، فالمتهم بريء ما لم تثبت جريمته . وخبر الظعينة التي أرسلها حاطب إلى مكة ، وتهديد علي رضي اللّه عنه لها ، ليس من هذا في شيء ، وذلك للسببين التاليين : أولا : ليست تلك المرأة مجرد متهمة بما وجهت به ، بل هي حقيقة ثابتة ، دل عليها خبر أصدق الناس محمد عليه الصلاة والسلام ، وهو أقوى في دلالته من بينة الاعتراف والإقرار ، فكيف يقاس عليها من حامت حوله التهم لمجرد ظنون وشكوك من أناس غير معصومين ؟ وما يقال عن هذه المرأة ، يقال أيضا عن عم حيي بن أخطب . ثانيا : ليس إلقاء الثياب للتفتيش عن الكتاب ، كأمر التعذيب أو الحبس ، فالفرق بينهما كبير واضح ، وإذا ثبت أن الكتاب معها لا محالة ، ولم يكن من سبيل إلى الوصول إليه إلا بالتنقيب في ثيابها ، فذلك أمر مشروع ولا ريب ، بل هو واجب استلزمه أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأما تعذيب الزبير لعم حيي بن أخطب ، فهو أولا : قائم كما قلنا على الحقيقة لا التهمة ، ثم هو ثانيا متعلق بأمر الجهاد والحرابة بين المسلمين وغيرهم ، فكيف يقاس عليه تعامل المسلمين بعضهم مع بعض ؟ ! . . وأما زعم أن هذا مذهب [ ذهب ] إليه مالك رضي اللّه عنه في فقهه ، فهو زعم باطل مخالف لما هو معروف واضح من مذهبه . جاء في المدوّنة وهو من رواية سحنون عن مالك رضي اللّه عنه قوله : ( قلت أرأيت