محمد سعيد رمضان البوطي

297

فقه السيرة ( البوطي )

دم لمسلم هدرا ، ولم يتحمل المسلمون كل ما لا قوه ، مما قد رأيت في غزواتهم وأسفارهم ، لأن رياح المصادمات فاجأتهم بها ، ولكن كل ذلك كان جاريا وفق حساب . . وكل ذلك كان يؤدي أقساطا من ثمن الفتح والنصر . . وتلك هي سنة اللّه في عباده : لا نصر بدون إسلام صحيح ، ولا إسلام بدون عبودية له ، ولا عبودية بدون بذل وتضحية وضراعة على بابه وجهاد في سبيله . والآن ، وقد رأيت خبر هذا الفتح ، تستطيع أن تدرك القيمة الكبرى لصلح الحديبية ، وأن تستشف من وراء ظاهرها الذي أدهش عمر وكثيرا من الصحابة ، السر الإلهي الرائع ، وأن تقف باطمئنان تام على المعنى الذي من أجله أطلق اللّه على ذلك الصلح اسم الفتح : فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً [ الفتح : 27 ] وإذا أدركت هذا ، أدركت مزيدا من حقائق النبوة التي كانت تقود حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم . أتذكر يوم خرج النبي صلى اللّه عليه وسلم من وطنه : مكة ، مستخفيا في بطون الشعاب والأودية ، مهاجرا إلى يثرب ، وقد سبقه من قبله ولحقه من بعده أصحابه القلة المستضعفون يتسللون مهاجرين ، وقد تركوا المال والأهل والأرض من أجل أن يبقى لهم الدين ؟ . . ها هم أولاء وقد رجعوا إلى الوطن والأهل والمال ، وقد كثروا بعد قلة ، وتقووا بعد ضعف ، واستقبلهم أولئك الذين أخرجوهم بالأمس خاشعين أذلاء خاضعين . ودخل أهل مكة في دين اللّه أفواجا ، وأقبل بلال الحبشي وهو الذي طالما عذب في رمضاء مكة على أيدي المشركين ، فصعد على الكعبة المشرفة ينادي بأعلى صوته : اللّه أكبر . . اللّه أكبر . . ذلك الصوت الذي كان يهمس يوما تحت أسواط العذاب : أحد ، أحد ، أحد ، ها هو اليوم يجلجل فوق كعبة اللّه تعالى قائلا : لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه والكل خاشع منصت خاضع ! . . ألا إنها لحقيقة واحدة لا ثانية لها : هي الإسلام ، فما أحمق الإنسان وما أجهله ، حينما يكافح أو يناضل أو يجاهد في غير سبيل الإسلام ، إنما يكافح حينئذ عن وهم لا حقيقة له ولا طائل . وبعد ، فإن أحداث هذا الفتح العظيم تنطوي على دلالات وأحكام كثيرة مختلفة ، يجب تبصرها والوقوف عليها ، وسنذكر ما تيسر ذكره من ذلك حسب ترتيب الأحداث نفسها .