محمد سعيد رمضان البوطي
293
فقه السيرة ( البوطي )
وبلغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن سعد بن عبادة قال لأبي سفيان عندما رآه في مضيق الوادي : اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الكعبة ، فلم يرض عليه الصلاة والسلام بقوله هذا ، وقال : « بل اليوم يوم الرحمة ، اليوم يعظم اللّه الكعبة » ، وأمر قادة جيوشه أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم « 1 » إلا ستة رجال وأربع نسوة ، أمر بقتلهم حيثما وجدوا ، وهم : عكرمة بن أبي جهل ، وهبّار بن الأسود ، وعبد اللّه بن سعد بن أبي سرح ، ومقيس بن صبابة الليثي ، والحويرث بن نقيد ، وعبد اللّه بن هلال ، وهند بنت عتبة ، وسارة مولاة عمرو بن هشام ، وفرتنى وقرينة - وكانتا جاريتين تتغنيان دائما بهجاء النبيّ صلى اللّه عليه وسلم - « 2 » . ودخل النبي صلى اللّه عليه وسلم من أعلاها « كداء » وأمر خالد بن الوليد أن يدخل بمن معه من أسفلها : « كدى » . فدخل المسلمون مكة من حيث أمرهم ، ولم يجد أحد منهم مقاومة ، إلا خالد بن الوليد ، فقد لقيه جمع من المشركين فيهم عكرمة بن أبي جهل ، وصفوان بن أمية ، فقاتلهم خالد فقتل منهم أربعة وعشرين من قريش ، وأربعة نفر من هذيل ، ورأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بارقة السيوف من بعيد ، فأنكر ذلك ، فقيل له : إنه خالد قوتل فقاتل ، فقال : « قضاء اللّه خير » « 3 » . روى ابن إسحاق عن عبد اللّه بن أبي بكر ، والحاكم عن أنس ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما انتهى إلى ذي طوى وقف على راحلته معتجرا - متعمما - بشقة برد حبرة ، وإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليضع رأسه تواضعا للّه ، حين رأى ما أكرمه اللّه به من الفتح ، حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل . وروى البخاري عن معاوية بن قرة قال : سمعت عبد اللّه بن مغفل يقول : رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح ، يرجّع ، وقال : لولا أن يجتمع الناس حولي لرجّعت كما رجع . ودخل صلى اللّه عليه وسلم مكة متجها إلى البيت ، وحوله ثلاثمائة وستون صنما ، فجعل يطعنها الواحدة تلو الأخرى بعود في يده ، وهو يقول : « جاء الحق وزهق الباطل ، جاء الحق وما
--> ( 1 ) رواه البخاري وابن إسحاق وغيرهما . ( 2 ) رواه ابن سعد وابن إسحاق ، قال ابن حجر : وقد جمعت أسماء هؤلاء الرجال الستة والنسوة الأربع من متفرقات الأخبار . ( 3 ) رواه ابن سعد في الطبقات ، وروى ابن حجر عن موسى بن عقبة نحوه ، وفي سيرة ابن هشام أن الذين قتلوا من المشركين ثلاثة عشر أو أربعة عشر ، والحديث رواه البخاري باختصار راجع فتح الباري : 8 / 8 و 9 .