محمد سعيد رمضان البوطي
294
فقه السيرة ( البوطي )
يبدىء الباطل وما يعيد » « 1 » ، وكان في جوف البيت أيضا آلهة ، فأبى أن يدخل وفيه الآلهة ، وأمر بها فأخرجت وأخرجت صور لإبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام ، فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « قاتلهم اللّه لقد علموا ما استقسما بها قط » ، ثم دخل البيت فكبّر في نواحي البيت وخرج ولم يصل فيه « 2 » . وكان قد أمر صلى اللّه عليه وسلم عثمان بن طلحة - وهو من حجبة البيت - أن يأتيه بالمفتاح ، فجاءه به ، ففتح البيت ، ثم دخل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم البيت ، ثم خرج فدعا عثمان بن طلحة فدفع إليه المفتاح ، وقال له : « خذوها خالدة مخلدة ، إني لم أدفعها إليكم - أي حجاجة البيت - ولكن اللّه دفعها إليكم ، ولا ينزعها منكم إلا ظالم » . يشير بقوله هذا إلى قول اللّه تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [ النساء : 58 ] « 3 » . وأمر رسول اللّه بلالا فصعد فوق ظهر الكعبة فأذن للصلاة ، وأقبل الناس كلهم يدخلون في دين اللّه أفواجا ، قال ابن إسحاق ، وأمسك النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بعضادتي باب الكعبة وقد اجتمع الناس من حوله ما يعلمون ما ذا يفعل بهم ، فخطب فيهم قائلا : « لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، صدق وعده ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدّعى فهو تحت قدمي هاتين ، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج . . يا معشر قريش إن اللّه قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء ، الناس من آدم ، وآدم من تراب » ، وتلا قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [ الحجرات : 13 ] . ثم قال : « يا معشر قريش ، ما ترون أني فاعل بكم ؟ » قالوا : خيرا ، أخ كريم وابن أخ كريم ، فقال : « اذهبوا فأنتم الطلقاء » « 4 » . وروى الشيخان عن أبي شريح العدوي أنه صلى اللّه عليه وسلم قال فيما خاطب به الناس يوم الفتح : « إن مكة حرمها اللّه ، ولم يحرمها أناس ، لا يحلّ لامرىء يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسفك بها دما أو يعضد بها شجرا ، فإن أحد ترخص لقتال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيها ، فقولوا له : إن اللّه أذن لرسوله ولم يأذن لكم ، وإنما أذن له فيه ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، وليبلغ الشاهد الغائب » . ثم إن الناس اجتمعوا بمكة لمبايعة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على السمع والطاعة للّه ورسوله ،
--> ( 1 ) متفق عليه . ( 2 ) رواه البخاري : وروى مسلم أنه صلى اللّه عليه وسلم دخل البيت فصلى فيه ، وسنذكر تحقيق ذلك في التعليق إن شاء اللّه . ( 3 ) رواه الطبراني من مرسل الزهري ، وابن أبي شيبة ، وابن إسحاق ، انظر فتح الباري : 8 / 14 . ( 4 ) وروى نحوه ابن سعد أيضا في طبقاته .